ابن المغرب البار

التحالف يجمعنا
صقور التحالف
إنضم
12/12/18
المشاركات
1,003
التفاعلات
2,948
تعددت الروايات حول سيرتها الشهيرة في التراث الشعبي المغربي. تارة قيل إنها مقاومة شرسة للاستعمار البرتغالي، وطوراً قيل إنها جنيّة. من هي عايشة قنديشة

ac0910b3-5440-43f8-820d-252f8b462c57.jpg

تعددت الروايات الواقعية لسيرة "عايشة قنديشة" الشهيرة في التراث الشعبي المغربي، فهناك من أشار إلى أنها عاشت في القـرن الخامس عشـر، وأنها مجاهدة قدّمت العون إلى الجيش المغربي في محاربة البرتغاليين، حيث شكلت قوّة ممانعة صدّت هجوماتهم، ولأنها كانت عصية على المستعمر ساد الاعتقاد حينها بأنّها كائن جنيّ وليست بشراً. وهي - في رواية أخرى - امرأة مغربية قَتل الاستعمار البرتغالي زوجها في الفترة الممتدة بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، فقررت الانتقام وصارت مقاومة شرسة له، و هي أيضاً "كونتيسة" أي أميرة أندلسية كانت ممن طُردوا من الأندلس، وحين جاءت إلى المغرب شرعت في مقاومة المستعمر. وهي أيضاً إمرأة تنحدر من الأندلس، من عائلة موريسكية نبيلة طُردت من هناك، أسماها البرتغاليون "عائشة الكونتيسة" أي الأميرة عائشة (contessa). وقد تعاونت مع الجيش المغربي آنذاك لمحاربة البرتغاليين الذين قتلوا وشردوا أهلها؛ فأظهرت براعة وشجاعة في القتال حتى ظن البعض وعلى رأسهم البرتغاليون أنها ليست بشراً وإنما جنية. وقد حققت عايشة قنديشة لنفسها هيبة ومجداً لدى المقاومين والمجاهدين، وعامة المغاربة عندما حاربت الاحتلال بكل شجاعة وذكاء. ويُروى أنها كانت - أحياناً - تتخذ في مقاومتها مذهباً غريباً حيث كانت تقوم بإغراء جنود الحاميات الصليبية وتجرهم إلى الوديان والمستنقعات حيث تذبحهم، الشيء أرعب المحتلين الأوروبين. وأشار القاضي العباس بن إبراهيم السملالي (1959/1877) في الجزء التاسع من كتابه "الأعلام" (ص416 و417) إلى أن "عيشة قنديشة" كانت وليّة صالحة ومتصوفة عاشت في فترة سيدي محمد بن عبد الرحمان المتوفَّى سنة 1873 م والذي كان يزورها للتبرك بدعواتها، وعايشت مجموعة من الأولياء كسيدي الزوين المشهور( ........) وكانت تغزل الشتب وتعمله حبالاً تخاط به البرادع وتقتات من ذلك، وكانت تقول زجلاً تشير فيه إلى الغلاء وانحباس المطر وذهاب الأخيار وظهور الأشرار . توفيت ودفنت بمقبرة باب غمات في مراكش. إن الروايات التي تتداول سيرة هذه الشخصية الغريبة والغامضة كثيرة، يتقاطع فيها الواقع بالأسطورة، ويطغى عليها الجانب الخرافي كثيراً إلى درجة يصعب معها الحسم في كون هذه الشخصية حقيقية أو مجرد خرافة من نسج الخيال الشعبي المغربي؛ فهي تارة جنية بجسد أنثى جميلة وقدميْ ناقة أو بغلة، تتخذ الوديان والآبار والكهوف مسكناً لها، وتفتن الرجال بجمالها وتستدرجهم إلى وكرها حيث تقتلهم وتقتات على لحوم ودماء أجسادهم، ولا تخاف إلا من شيء واحد هو اشتعال النار أمامها. وزعم بعضهم أنها اعترضت سبيل رجال كانوا يسكنون القرى فأوشكت على الإيقاع بهم، إلا أنهم استطاعوا النجاة منها بحرق عمائمهم أمامها؛ فالنار هي نقطة ضعفها. ويصور التراث الشعبي المغربي، أيضاً، عايشة قنديشة في شكل ساحرة عجوز شمطاء وحاسدة، تقضي مجمل وقتها في حبك الألاعيب لتفريق الأزواج، ومرة أخرى في شكل امرأة فاتنة الجمال لها قدمان تشبهان حوافر الماعز أو الجمال أو البغال (بحسب المناطق المغربية). وكل من تقوده المصادفة إلى أماكن تواجدها يتعرض لإغوائها فينقاد خلفها فاقداً الإدراكَ إلى حيث مخبؤها من دون مقاومة لتلتهمه بلا رحمة وتطفئ نار جوعها الدائم للحم ودم البشر. أصبحت سيرة "عايشة قنديشة"، على تعدد رواياتها، أشهر حكاية تداولتها الأجيال في المغرب، وتصرف فيها الرواة تصرفاً جعلها تتأرجح بين الواقع والأسطورة، وبين الإيجاب والسلب، كما أصبحت موضوع بحث ثري لعدد كبير من علماء الاجتماع والأنثربولوجيا في العالم مثل الباحث الانثربولوجي الفنلندي وسترمارك westermark (1862/1939) الذي قارن بين هذه الجنية المهابة الجانب وبين"عشتار" آلهة الحب القديمة التي كانت مقدسة لدى شعوب البحر الأبيض المتوسط وبلاد الرافدين من القرطاجيين والفينيقيين والكنعانيين الذين كانوا يقيمون على شرفها طقوساً مقدسة، وافترض أن تكون عايشة قنديشة هي ملكة السماء عند الساميين القدامى حيث اعتقدوا أنها كانت تسكن العيون والأنهار والبحار والمناطق الرطبة بشكل عام. وتناولها أيضاً عالِمُ الاجتماعِ المغربي ذو الأصول الفرنسية بول باسكون Paul Pascon (1958/1932) في كتابه "أساطير ومعتقدات من المغرب".
 
أعلى