فورين بوليسي: ماكرون ليس قلقا من الإسلام ولكن من لوبان

ابن تاشفين

مهتم بالشؤون العسكرية
كتاب المنتدى
إنضم
15/1/19
المشاركات
28,416
مستوى التفاعل
83,302
فورين بوليسي: ماكرون ليس قلقا من الإسلام ولكن من لوبان


قبل أيام، حذر الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" من أن أقلية من مسلمي فرنسا، الذين يقدر عددهم بنحو 6 ملايين شخص، يمكن أن يشكلوا "مجتمعا مضادا"، وأن الإسلام يواجه "أزمة" في جميع أنحاء العالم، قبل الكشف عن خطته لمعالجة ما اعتبره "مجتمعا موازيا" في فرنسا.

وليس هذا الحديث بغريب في الدولة التي تضم أكبر عدد من السكان المسلمين في أوروبا الغربية. لكن "ماكرون" له هدف آخر، فهو يبرز أوراق اعتماده الانتخابية المتشددة ضد الإسلام في بيئة سياسية شعبوية على حساب الأقلية المسلمة الفرنسية المحاصرة بالفعل.

ومن المفارقات أن "ماكرون" فشل في إدراك أن المبدأ الأساسي للفصل بين الكنيسة والدولة في فرنسا، والحياد المعلن تجاه الدين، يمنعه في الواقع من الانخراط في ما هو في الأساس خطاب ديني. لكن الوضع أخطر بكثير مما يبدو.

وفي العام الماضي فقط نشرت صحيفة "الجارديان" البريطانية مقالا بعنوان "كيف أصبحت نظرية المؤامرة اليمينية المتطرفة سائدة". لكن هذه النظرية كانت موجودة منذ عقدين من الزمان، صاغتها "جيزيل ليتمان"، المعروفة أيضا باسم "بات يور"، ووجهت دعمها للقاعدة الجماهيرية في أقصى اليمين، بما في ذلك القاتل الجماعي النرويجي "أندرس بيرينج بريفيك".

وتتغذي الفكرة على حجة زائفة بسيطة للغاية، وهي أن المسلمين جاؤوا إلى أوروبا للانخراط في حرب ثقافية لقلب القيم الأوروبية، وأن على المسيحيين البيض قتالهم لإنقاذ حضارتهم.

وهي نظرية ساقطة، وإن كانت تأتي في شكل محترم يدور حول "الانفصالية الإسلامية" عن باقي المجتمع، وهنا لابد أن نذكر أن الشعبوية قد أصبحت هي التيار السائد منذ وقت طويل وأصابت اليسار واليمين على حد سواء في السياسة الفرنسية.

ويمكن مناقشة من هو المسؤول الأكبر عن بدء هذا الخطاب في فرنسا، لكن أي قائمة يجب أن تتضمن أمثال المحلل "إريك زيمور" والمؤلف "رينو كامو"، الذي صاغ نظرية "الاستبدال العظيم"، والتي أصبحت مصدر إلهام للكثيرين في أقصى اليمين في جميع أنحاء العالم.

وهناك، بالطبع، الكثير من الأزمات التي تواجه المسلمين في جميع أنحاء العالم، سواء كسكان محليين في بلادهم أو كمجتمع طائفي في الغرب، فعلى سبيل المثال، تعيش شرائح ضخمة من المسلمين في ظل أنظمة استبدادية قمعية. وليس من الواضح ما إذا كانت السياسة الخارجية لـ"ماكرون" تنظر إلى مثل هذه الأنظمة على أنها إشكالية. بل في الواقع من المحتمل جدا أنه يعتقد العكس.

وإذا كان "ماكرون" يأخذ بجدية قضية أحقية السكان المسلمين في جميع أنحاء العالم في الحكم الرشيد، فسيكون لذلك تداعيات كبيرة على السياسة الخارجية الفرنسية. وبالتالي فإن فشله في إعطاء الأولوية لذلك يجعل حديثه عن أزمة يعيشها الإسلام أقل إقناعا.

ولم يتطرق "ماكرون" إلى تاريخ الاستعمار الفرنسي وهو أمر وثيق الصلة بالتأكيد، بالنظر إلى أن الحكم الفرنسي في شمال أفريقيا كان له تأثير سلبي بارز على المؤسسات الدينية الإسلامية المختلفة، ما جعل تلك السلطات الدينية أقل كفاءة وقدرة على التعامل مع تحديات العالم الحديث.

ويلعب هذا الإرث دورا في الأيديولوجية المتطرفة، بنفس القدر التي تلعبه السياسات الاستبدادية في المنطقة. لكن هذه ليست الأزمات التي يشكو منها "ماكرون" أو غيره من السياسيين الأوروبيين.

وتعد تصريحات "ماكرون" مجرد محاولة لجذب الناخبين اليمينيين قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2022، حيث من المنتظر أن يواجه زعيمة التجمع الوطني اليمينية المتطرفة "مارين لوبان"، التي لا تخشى إلقاء اللوم على المسلمين في كل مشاكل فرنسا.

وربما يؤمن "ماكرون" حقا بروايته عن الأزمة، لكن هذا لا يهم حقا. ما يهم هو أن الكثير من السياسيين البارزين في الاتحاد الأوروبي، بمن فيهم أولئك الملتزمين بالقيم الديمقراطية الليبرالية، لم يعودوا يتوقفون قبل إلقاء اللوم على الأقليات المسلمة في المشكلات الاجتماعية.

ومن المرجح أن يؤدي القيام بذلك إلى الحصول على أصوات أكثر، لكن ذلك يعني أن على القيادة السياسية الحقيقية مواجهة هذا الاتجاه وليس ركوب الموجة.
وكما قالت "ريم سارة علوان"، الباحثة القانونية الفرنسية في جامعة "تولوز 1 كابيتول": "التعصب ضد المسلمين يحفز الجماهير على شبكات الأخبار على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، ويسمح للسياسيين بالظهور أكثر".

وقد لا يكون اليمين المتطرف في السلطة في فرنسا، لكن روحه موجودة بالتأكيد. وإذا أصبح الخيار بين "ماكرون" واليمين المتطرف مرة أخرى، فسيُطلب من (الفرنسيين) التصويت لإنقاذ الجمهورية عندما تصل لوبان إلى الجولة الثانية من الانتخابات.

وقبل عقدين من الزمن، كان السياسي الذي يصر على أن "الإسلام هو دين يمر بأزمة في جميع أنحاء العالم اليوم" من شأنه أن يكون بالتأكيد من حزب يميني متطرف. وكان الأمر نفسه ينطبق على شخص ما إذا قال إن الحجاب "لا يتماشى مع حضارة بلدنا"، لكن "ماكرون الوسطي" قال ذلك قبل عامين.

وكان من المدهش منذ وقت ليس ببعيد أن يقول أي شخص غير مؤيد لليمين المتطرف: "لا يمكنني قبول أن يأتي أحد للمشاركة في عملنا في الجمعية الوطنية مرتديا الحجاب". لكن هذه كلمات عضوة أخرى معروفة في البرلمان الفرنسي، وهي عضوة في الحزب السياسي الوسطي بزعامة "ماكرون"، "آن كريستين لانج".

والأسوأ من ذلك أن هجوم "لانج" كان يستهدف زعيمة طلابية منتخبة كانت تزور برلمان بلدها وتشارك بشكل كامل كمواطنة. وبالنسبة للمدافعين المفترضين عن الجمهورية العلمانية، يبدو أن الهجوم على الحجاب مهم أكثر من الدفاع عن القيم المدنية والحريات الفردية.

وبالرغم من كل الحديث عن الانفصالية في فرنسا، يتم إيلاء المزيد من الانتقاد للمسلمات المحجبات اللائي يؤدين واجباتهن المدنية بإخلاص أكثر من الشعبويين اليمينيين المتطرفين الذين يرتكبون بالفعل جرائم أو ينتهكون القانون، مثل العضو السابق في حزب "لوبان" الذي حاول إضرام النار في مسجد، ثم شرع في إطلاق النار على رجلين سعيا لإيقافه.

وكما قالت "علوان": "لم يذكر ماكرون مرة واحدة خطر التفوق الأبيض واليمين المتطرف، بالرغم أن النظرية العنصرية المزعومة باسم (الاستبدال العظيم) قد تم تطويرها في فرنسا واستخدمها الإرهابي الذي ارتكب المذبحة المروعة في كرايس تشيرش في نيوزيلندا".

وربما يؤتي تصوير المسلمين كمشكلة في المجال العام ثماره في صناديق الاقتراع في فرنسا وأماكن أخرى في أوروبا، وقد يفوز "ماكرون" بولاية ثانية، لكن لسوء الحظ، ستكون أقلية محاصرة بالفعل، وهم السكان المسلمون الفرنسيون، هم من يدفع الثمن.
 
أعلى