عـلـي عـزت بـيـغـوفـيـتـش ـ الرئيس السابق للبوسنة والهرسك

عــمــر الـمـخــتــار

طاقم الإدارة
مشرف عام
إنضم
14/5/19
المشاركات
2,982
التفاعلات
15,864
بسم الله الرحمن الرحيم
1441/2/22 - 2019/10/21

alijazetbegoviqq2.jpg


توافق اليوم السبت،(بالأمس) الذكرى الـ 16 لوفاة علي عزت بيغـوفيتش أول رئيس لجمهورية البوسنة والهرسك بعد انتهاء الحرب في 19 تشرين الأول/أكتوبر عام 2003م.

Ali Ezzat Begovic

إن أول ما يخطر ببالنا عند سماع اسم بيجوفيتش هو الكتاب الرائع “الإسلام بين الشرق والغرب ” الذي يعده البعض مرجعًا، لكن الأكثر عدلًا وإنصافًا أن يرتبط اسم بيجوفيتش بالجهاد والنضال في بقعة من أرض المسلمين لم نأبه كثيرًا لها وهي دولة “البوسنة والهرسك”، وكما يقول رئيس العلماء بالبوسنة الدكتور مصطفى تسيريتش ” علي عزت بيجوفيتش كان رجلًا عظيمًا سنذكره باستمرار ليس من أجله بل من أجلنا نحن، من أجل ماضينا ومستقبلنا، من أجل حقوقنا وحريتنا، من أجل ديننا ووطننا. حقنا في تذكر علي عزت هو حقنا في الحرية. لأن علي عزت بيجوفيتش رحمه الله كان أكثر من رئيس للبوسنة والهرسك، لقد كان رمزًا لتصحيح مسارنا، ولبقائنا، ولذلك هو في الذاكرة دائمًا” . ولنبقيه في ذاكرتنا أيضًا سنتحدث عنه في تلك السطور.

232px-Izetbegovic.jpg


مـن هــو عـلـي عـزت بـيـغـوفـيـتـش؟

وُلِد بيجوفيتش في 18 محرم 1344 هـ / 8 أغسطس 1925 في مدينة بوسانا كروبا البوسنية عندما كانت البوسنة جزءًا من يوغسلافيا والتي كانت تحكم من أسرة ليبرالية، ولكن كالعادة تلك الليبرالية المزعومة هي فقط ضمان لحرية الأقوى وأصحاب الأموال وليست للأقليات؛ فمع كون بيجوفيتش من أسرة مسلمة تمتد أصولها للوجود التركي في البوسنة إلا أن ذلك لم يضمن له حق تلقي التعليم الإسلامي في بلده ذات الطابع الليبرالي.

ولعل ذلك ما دفعه مع مجموعة من أصدقائه لتكوين جمعية للمناقشات الدينية أطلقوا عليها اسم “ملادي مسلماني” أي الشبان المسلمين. تخرج بيجوفيتش في جامعة سراييفو فيما تخصص القانون وعمل مستشارًا قانونيًا، عاش بيجوفيتش تحت الحكم النازي الألماني عندما سيطرت النازية على يوغسلافيا , وكذلك تحت الحكم الشيوعي عندما كانت يوغسلافيا جمهورية اشتراكية. ولأن بيجوفيتش لم يكن يروقه تلك الأنظمة الفاشية عارضها كثيرًا ؛ مما ضمن له الاعتقال عدة مرات. لم يعش تلك الحياة السياسية عبثًا فقد تمكن بيجوفيتش من أن يكون أول رئيس جمهوري لجمهورية البوسنة والهرسك، كما أمدته تلك الحياة السياسة بسعة في الأفق وانفتاح على أكثر من ثقافة كثقافة الصرب والكروات الذين كانوا يعيشون معه على أرض يوغسلافيا، مما مكنه من إخراج ذاك العمل الرائع “الإسلام بين الشرق والغرب”.

ــ تلقى بيغوفيتش تعليمه في مدارس العاصمة سراييفو وحصل فيها على الشهادة الثانوية عام 1943م.
ــ التحق بجامعة سراييفو وحاز على شهادة البكالوريوس في الحقوق عام 1950م.
ــ نال على شهادة الدكتوراه عام 1962، ثم شهادة عليا في الاقتصاد عام 1964م.

ــ يتقن بيغوفيتش عدة لغات أجنبية، من بينها الألمانية والإنجليزية والفرنسية والعربية.

55.jpg


عـوامـل تـكـويـن فـكـره:


1- تعرضه لأكثر من ثقافة ومنهاج للفكر: ولد لأسرة عريقة في الإسلام، كما أنه نشأ في يوغسلافيا تحت الحكم الليبرالي، وعند إعلان والده الإفلاس تلقى التعليم العلماني وعاش في ظل الفاشية النازية، وكرد فعل لتلك النازية زادت الدعاية للشيوعية مما جعله يتأثر بها كثيرًا، كما أنه حضر مدرسة البنين الأولى والتي اشتهرت بكونها مدرسة اشتراكية.

2- إنشاؤه جمعية الشبان المسلمين: زادت هذه الجمعية من تعامله مع مزيد من المسلمين وسماع أفكارهم ومناقشتها، كما أنها عرضته للاحتكاك بالسلطات والدخول للحياة السياسية بشكل أكبر وأكثر عمقًا، كما أن تلك الجمعية لم يقتصر دورها على مسلمي البوسنة وحسب بل امتددت لمساعدة اللاجئين ورعاية الأيتام خلال الحرب العالمية الثانية.

3- حصوله على دكتوراه في القانون وشهادة عليا في الاقتصاد.


4- تعرضه للاعتقال: والذي كان أحد أسبابه نشر عدد من المبادئ الإسلامية والتي وصفت على أنها جرائم ” كما يحدث اليوم تحت مسمى الإرهاب”.

EHRB_sUWsAMbnCy.jpg


أفـكـاره الـنـاتـجـة عـن تـلـك الـعـوامـل:

1- تعرضه لأكثر من ثقافة ومنهاج للفكر: جعله شخص لديه إلمام بكثير من الثقافات حتى إن الجماعة التي كونها كانت تتضمن برنامجًا لبناء الشخصية. مر بفترة من التردد الروحي وصراع مع مبادئ الإسلام التي حملها بالوراثة ومبادئ الشيوعية التي كانت ناجحة جدًا في مواجهة النازية؛ مما جعله يعيد التفكير في إسلامه بطريقة جديدة جعلته يتبنى عقيدته الإسلامية عن رسوخ وإيمان كامل، مكنه من المقارنة بين الثقافات الغربية والشرقية ومدى تفوق الإسلام عليهما وظهر ذلك في كتابه “الإسلام بين الشرق والغرب” وأيضًا “الإعلان الإسلامي” – والذي حرفه الصرب فيما بعد ليظهروا للعالم أن بيجوفيتش عبارة عن فاشية جديد – . كما أنه صرح بأن ثبات إيمانه نتيجة شكوك الشباب.

2- إنشاؤه جمعية الشبان المسلمين: ترتب عليه فهمه لذلك الواقع السياسي والانخراط فيه بشكل أكبر مما مكنه من بناء علاقته الخارجية مع المسلمين العرب ومساعدته لهم خلال الحرب العالمية الثانية وخلال أكثر فترات التضييق عليه. بناؤه لمسار ثالث لا يخضع لقوانين بلاده وإعلانه عدم الخضوع للخدمة العسكرية تحت حكم تلك الفاشية العرقية؛ فهو لم يردد تلك النغمة “الجندي الغلبان ” ولم يقع في قتل أنفس بريئة بحجة “الأوامر” .

3– حصوله على دكتوراه في القانون وشهادة عليا في الاقتصاد: مكنه من العمل كمستشار قانوني لمدة 25 عامًا إلى أن اتجه للكتابة والبحث مما مكنه فيما بعد من الدفاع عن نفسه خلال المحاكمات الوهمية التي تعرض لها أثناء فترت اعتقاله، دراسته للقانون مكنته من فهم عوار تلك الأنظمة البشرية ومدى هشاشتها في مقابل المنهج الحق الذي ارتضاه لنا ربنا، مما عرضه للاتهام بحجة أنه مسلم أصولي.

4- تعرضه للاعتقال: والذي أوضح له حقلية تلك الأنظمة وطريقتها في الحكم والتي تعتمد في الأساس على المصلحة؛ فعند تعرضه للسجن في المرة الأولى عند نشره لبعض المبادئ الإسلامية لم تحرك تلك الدول ساكنًا ولم يُسمع صوت لتلك المنظمات المسماة حقوقية. بينما عندما تعرض للاعتقال من قبل نفس السلطات الشيوعية لحضوره المؤتمر الاقتصادي في إيران أدين الحكم وبشدة من المنظمات الحقوقية ومن بعض الدول ومعظم مؤسساتها الحقوقية؛ لأن الأمر في هذه الحالة كان متعلقًا بدولة شيوعية اشتراكية يريد الغرب تصويرها على إنها ليست بديل للنظام الليبرالي والرأسمالية ولكنها نظام فاشي لا يضمن الحقوق أو الحريات.

5– كانت ثقافاته المتعددة مرشدًا له خلال مسيرته في الكتابة فكونت لديه فكرًا رصينًا إلى جانب بصيرته الفطرية؛ فمكنته من تأليف بعض المراجع التي تعد حجه في مجالها ولعل أشهرها على الإطلاق “الإسلام بين الشرق والغرب” والذي أوضح فيه أن الإسلام دعوة عالمية وطريقة للحياة، و “الإعلان الإسلامي”، بالإضافة إلى كتابه “هروبي إلى الحرية ” والذي كتبه عندما كان يقبع في سجن فوتشا في الفترة ما بين (1983 – 1988) ، وأيضا “عوائق النهضة الإسلامية ” والذي يعد الدليل الأكبر على أن بيجوفيتش لم يكن شخصًا قوميًا لا يهمه إلا مصلحة بلده فحسب لكنه كان مسلمًا بحق يجمعه مع إخوانه في البلاد الأخرى رباط الإسلام.


6- من ظواهر نبوغه وفهمه لحقيقة الواقع إجابته عندما سُئل عن سماحته والصحوة الإسلامية في البوسنة وهل هي مجرد شائعات. فقال : “سوف أكون معك شديد الصراحة وأقول لك: لا ليست هذه شائعات بل حقيقة .. فالعودة إلى الدين أصبحت ظاهرة عالمية ففي كل مكان تمكّن الشيوعيين فيه من قمع الدين، على مدى خمسين إلى سبعين سنة ماضية .. نعم هناك أسلمة في البوسنة كما تسميها .. وهى صحوة إسلامية ولكن هناك في البوسنة بنفس القدر صحوة أرثوذكسية وصحوة كاثوليكية .. والفرق أن عودة المسيحيين إلى دينهم لم تلفت نظر أوروبا المسيحية .. وهذا أمر أفهمه ولا ألومها عليه .. ولكنني أود فقط أن أصحّحك في نقطة واحدة وهى أن تسامحي الذي تتحدث عنه ليس مرده إلى كونى أوروبي وإنما مصدره الأصيل هو الإسلام .. فإذا كنتُ متسامحا حقا كما تقول فذلك لأنني أولا وقبل كل شيء مسلم ثم بعد ذلك أوروبي”

alija-izebegovic.jpg


17982271171439027586--deset-godina-od-smrti-alije-.jpg


حــرب الـبـوسـنـة والـهـرســك:

ما أذكره عن هذه الحرب في هذا المقال لا يعد مرجعًا أبدًا ولكنه مجرد رأي في بعض النقاط الهامة في الحرب. في عام 1990 عندما ضعف الحزب الشيوعي في يوغسلافيا وبدأت الاشتراكية في الضعف وعدم القدرة على السيطرة على الشعوب كما كانت، فاضطر الحزب الشيوعي اليوغسلافي إلى السماح بالتعددية السياسية فاستغل بيجوفيتش هذه الفرصة وأنشأ حزب “العمل الديمقراطي” ولكن هذه الخطوة أراها لم تكن موفقة من بيجوفيتش فلقد كانت لدية جمعيته التي خرجت عن مسار تلك الفاشية ولم تخضع لقوانينهم، لكن بيجوفيتش مع هذه الخطوة أعاد نفسه مرة أخرى إلى سيادة قوانينهم التي لا تنصر إلا ما هو في صالح الدول القوية ولا تراعي حقًا للمسلمين إلا إذا كان ذلك الحق يتوافق مع مصالحهم.فأنشأ بيجوفيتش الحزب وخاض الانتخابات، وفاز فيها، وصار رئيسًا لجمهورية البوسنة والهرسك، في نوفمبر 1990. وبعد وصوله للحكم أجرى استفتاءًا شعبيًا لاستقلال البوسنة والهرسك والذي ضايق الصرب الأرثوذكس كثيرًا فلم يشاركوا فيه وكانت نتيجة الاستفتاء 99% لصالح الاستقلال بنسبة مشاركة 63% وانتزع الاعتراف بدولة البوسنة والهرسك من الأمم المتحدة، ولكن تأخر الأمم المتحدة في الاعتراف جعل الصرب ينقضّون على دولة البوسنة والهرسك، فوجدت الدولة الناشئة نفسها بين فكي الرحى وبدون حاضنة عسكرية للدفاع عن نفسها وهنا نعود إلى ما تحدثنا عنه من خطأ بيجوفيتش في تأسيس حزب سياسي، أما كان يجدر به أن ينشأ وحدة عسكرية تحسبًا لتلك اللحظة فما من ثورة إلا وحسمتها قوة ما في النهاية، وخاصة مع علم بيجوفيتش بتلك الحرب وإمكانية حدوثها في أي لحظة منذ 1980 حسب قول حارث سيلاجيتش

” نهاية 1980 وبداية 1990 من القرن الماضي كانت واحدة من أصعب الحقب التي مرت بها البوسنة في تاريخها، ففي هذه الحقبة تم وضع مخطط الإبادة، وإقامة معسكرات الاعتقال، والإزالة العرقية، وتدمير المدن “

وتابع ” في هذه الفترة كان علي عزت بيجوفيتش، يدرك أن معركة البقاء يجب أن يدفع ثمنها، لأن العدو يستهدف الوجود البيولوجي للمسلمين في البوسنة والبوسنة كدولة ذات سيادة بحدود دولية على مدى يزيد عن الألف عام ” وأكد سيلاجيتش على أنه منذ الوهلة الأولى ” كان هناك إدراك بأن العدوان سيستهدف المدنيين، وأن المعركة لن تكون متكافئة وباهظة الثمن “.
استوعب بيجوفيتش الدرس في لحظة متأخرة فبدأ بتكوين جيشه العسكري ولكن الأمر ازداد سوءًا عندما فرض حظر التسليح على الطرفين، فبذل بيجوفيتش ما بوسعه لتجميع السلاح حتى من أيدي الصرب أنفسهم، في هذا الوقت عرضت إيران غلى بيجوفيتش المساعدة في مقابل السماح للإيرانيين بنشر عقيدتهم الدينية في البوسنة ، ولكن بيجوفيتش رفض ذلك بشدة وقال :

“لن نبيع الآخرة من أجل الدنيا ولن نبيع إسلامنا من أجل حفنة من المساعدات “


وتكون الجيش وأصبح ينمو في وقت قياسي فيما انضم له مجاهدون عرب وتذكر صحيفة ألمانية أن “بن لادن ” قام بزيارة بيجوفيتش في 1993 لإعطائه بعض النصائح عن كيفية إدارة مثل تلك الصراعات.

علي-عزت-بيجوفيتش-أقوال.jpg


EHQC_0DWoAA-s_n.jpg


كما أنشأ بيجوفيتش الأكاديمية العسكرية في سراييفوا و التي لم تقتصر على المحاضرات العسكرية والتدريب ولكن أيضًا شملت على برامج تربوية ودينية وأخلاقية، كانت نصيحته المتكررة لضباطه أن لا يقتلوا مدنيا أو يمثلوا بجثة أو يجهزوا على أسير مجروح وأن لا يمارسوا العقوبات الجماعية وأن لا يحرقوا البيوت أو الزرع كما يفعل الصرب، وأن لا يقتلوا الحيوانات ولا يروعوا راهبا في ديره ولا امرأة في بيتها.


ومع حلول 1994 بدأ يحقق انتصارات ملحوظة مع فرار جنود الصرب من مواجهة البوشناق – مسلمي البوسنة – واستطاع أن يقنع قوات كروات البوسنة بالتحالف مع القوات البوشناقية في حصار مدينة ( بنيالوكا) مقر قيادة القوات الصربية. وعندما وجد الغرب بقيادة الأمم المتحدة – التي لم تحرك ساكنًا تجاه الاعتداءات والمجازر الجماعية من قبل الصرب – أن الأمر يصب في مصلحة المسلمين وأصبحت الكلمة العليا لهم، تدخلوا بسرعة لوقف إطلاق النار وإجبار المسلمين على الموافقة على اتفاقية دايتون.

فوجد المسلمون أنفسهم أمام خيارين:

1- الاستسلام لتلك الاتفاقية والتوقيع عليها.
2- مواجهة قوات الغرب وهم لا طاقة لهم بتلك القوات. فاضطروا للموافقة على تلك الاتفاقية المنحازة لجنود الصرب.

وبعد هذه الاتفاقية عاش أهل البوسنة والهرسك تحت حكم المجلس الرئاسي الذي يضم ممثلًا عن البوشناق وكذلك الصرب والكروات؛ وبهذا اطمأنت أوروبا المسيحية وكذلك أمريكا أن كلمة المسلمين في الهرسك لن تكون العليا هناك، فلقد أقاموا قوتين تضمنان ألا يكون هناك كلمة مطلقة للمسلمين على أرض أوروبية.


EHQLrnVXkAAu2QY.jpg


وهنا انتهى تاريخ بيجوفيتش المسلم المجاهد المفكر المناضل والسياسي، ولكن كما ذكرنا أن الأفكار دائمًا أقوى وأطول عمرًا فلقد ظلت أفكار بيجوفيتش في البوسنة طريقًا لهم ومصدر فخر دائم، وشهدت كتابته على عقلية فذة في تاريخنا استطاعت مواجهة الحجج بالبراهين والقوة بالقوة والاعتداء على الحرمات بالجهاد وإرهاب العدو . قليلة هي حقًا تلك العقول التي تستطيع أن تدير واقع أمة على أكثر من جبهة وتنجح فيها، وقليلة هي الشعوب التي تستجيب لنداءات قادتها. فالعبرة ليست في جهاد بيجوفيتش وحده، ولكن في البوشناق الذين لبوا نداء الجهاد.


1314_135320559950a8475f4a052.jpg

mqdefault.jpg


وفــــــــاتـــــه

توفي بيجوفيتش في 23 شعبان 1424 هـ / 19 تشرين الأول/أكتوبر 2003م بمستشفى سراييفو، بعد تاريخ حافل بالنضال والجهاد ضد الكاثوليك والأرثوذكس في حرب البوسنة والهرسك الشهيرة. دخل بيغوفيتش إلى المشفى بعدما أغمي عليه فسقط أرضا مما أدى إلى إصابته بكسور في أربعة من أضلاعه، أسفر عنها تدهور في حالته الصحية ضعف في أداء القلب ونزيف دموي في الرئتين.
توفي علي عزت بيغوفيتش وتم تشيعه من قبل 200 ألف بوسني، ودفن في مقبرة الشهداء حيث تتواجد قبور الجنود البوسنيين الذين قتلوا في الحرب البوسنية بين عامي 1992-1995م.


https://tipyan.com/begovic-president-of-bosnia-and-herzegovina-fighter
https://tr.agency/news-63758


رحـمـه اللـه وغـفـر لـه وجـعـل مـثـواه الـجـنـة

 
التعديل الأخير:

عــمــر الـمـخــتــار

طاقم الإدارة
مشرف عام
إنضم
14/5/19
المشاركات
2,982
التفاعلات
15,864

علي عزت بيغوفيتش.. رئيس بوسني حرر فكره العقول وحقق لوطنه الاستقلال

بروفايل_03_(1).jpg


تتعدد المناسبات التي يتذكر فيها العرب والمسلمون الرئيس البوسني الراحل علي عزت بيغوفتيش، الشخصية المثيرة للاهتمام بتنوعها السياسي وفكرها الغزير.


كان بيغوفيتش مفكرا وفيلسوفا قبل أن يصبح سياسيا لامعا ومحاربا بارعا، استطاع بما لديه من فكر فلسفي وديني أن يحدث ثورة فكرية وحراكا عقليا، وتمكن بما لديه من مهارة ومناورة سياسية أن يأخذ ببلده نحو التحرر والاستقلال.

لم يكن بيغوفيتش منظّرا يضع الطروحات بما ينبغي أن يكون عليه الحال، بل كان إلى جانب كونه أيقونة ثقافية وسياسية وفكرية، يقاتل في الصفوف الأولى من أجل تحرير بلده من الاستعمار الشيوعي الذي كان جاثما على صدور البوشناق المسلمين.

في واقع الأمر، لم يأخذ الرئيس البوسني حقه من التناول كشخصية ثورية وسياسية، لا من قبل الغرب ولا العرب المسلمين، ذلك أن الغرب كان يعتبره عدوا، لانتصاره لقضايا الإسلام والمسلمين، حتى أن كتبه كانت ممنوعة في فرنسا، لأنها كانت أهم الدول الغارقة في المادية والتمييز العنصري، وهما المسألتان اللتان تناولها بيغوفيتش في كتاباته.

أما العرب والمسلمون فقد غاب عنهم هذا الاسم في جملة من غاب عنهم من الأعلام والشخصيات التي أحدثت فارقا في حياة الكثيرين.

وبقي الرجل الأشهر في تاريخ الصراع السياسي والديني والفلسفي في التاريخ الحديث مغمورا لدى معظم كثير من العرب والمسلمين.

كان حق هذه الشخصية أن تتناولها الأعمال الأدبية والفكرية والدرامية في مسلسلات وأفلام تبرز محطات حياته وأهم إنتاجه الفكري ونشاطه السياسي منذ مولده في 8 أغسطس/آب 1925 وحتى وفاته في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2003، لكن ذلك لم يحصل.

قلم وبندقية

جمع بيغوفيتش بين كونه كاتبا ومقاتلا، لهذا فقد كتب عنه المفكر الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري في مقدمة كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب": "عزت بيجوفيتش الرئيس السابق للبوسنة، وقائدها السياسي وزعيمها الفكري والروحي، صاحب اجتهادات مهمة في تفسير ظاهرة الإنسان في كل تركيبها، وهذه التركيبة، المرتبطة تمام الارتباط بثنائية الإنسان والطبيعة، هي نقطة انطلاقه والركيزة الأساسية في نظامه الفلسفي".

يضيف المسيري: "أنه ليس مجتهدا وحسب، وإنما هو مجاهد أيضا، مفكر ورئيس دولة، يحلل الحضارة الغربية، ويبين النموذج المعرفي المادي العدمي الكامن في علومها وفى نموذجها المهيمن، ثم يتصدى لها ويقاوم محاولتها إبادة شعبه".

ولكنه في ذات الوقت يستفيد من اجتهادات المفكرين الغربيين المدافعين عن الإنسان، ولعل إيمانه بالإنسان الذي ينبع من إيمانه بالله وإدراكه لثنائية الطبيعة البشرية، هو الذي شد من أزره إلى أن كتب الله له ولشعبه النجاة، وهو الذي مكنه من أن يلعب هذا الدور المزدوج؛ دور المجاهد والمجتهد، ودور الفارس والراهب، وفق المسيري.

وأضاف: "يكاد بيغوفيتش أن يكون المجاهد المجتهد الوحيد في العالم الآن، وبلا شك، كلنا نجاهد ونجتهد، ولكن أن تكون رئيس دولة وتقف في وجه الحضارة الغربية بأسرها، فهذا لا نراه كل يوم، فهو يحمل صيغة فريدة في ذاته".

إنتاجه الفكري

كان بيغوفيتش من أهم من تصدى لقيم الحضارة الغربية، التي تم التسويق لها عبر أفكار وأطر فلسفية مادية، ونسف، بمنهجية سباقة، الروافع والقوائم الحسية والمادية التي اعتمدت عليها تلك النظريات.

بالإضافة إلى لغته المحلية، كان يجيد عدة لغات، من بينها الألمانية والفرنسية والإنجليزية، وإلى حد ما العربية، ويعتبر الأخيرة وسيلته للاتصال بالقرآن الكريم والاطلاع على التيارات الإسلامية وتجاربها الفكرية.

ألف بيغوفيتش عدة كتب، أهمها "الإسلام بين الشرق والغرب"، و"البيان الإسلامي"، و"هروبي إلى الحرية"، و"عوائق النهضة الإسلامية"، وكتاب "سيرة ذاتية وأسئلة لا مفر منها"، وكتاب "الأقليات الإسلامية في الدول الشيوعية".

يعد كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب" من أهم إنتاجه الفكري، وقد أحدث حراكا عقليا، واعتبره البعض علامة فارقة في تاريخ الدراسات الفلسفية الإسلامية.

يقول بيغوفيتش عن كتابه: "هذا الكتاب ليس في اللاهوت ولا مؤلفه من رجال اللاهـوت إنه على الأرجح محاولة لترجمة الإسلام إلى اللغة التي يتحدث بها الجيل الجديد ويفهمها؛ إنه كتاب يتناول عقائد الإسلام ومؤسساته وتعاليمه بقصد اكتشاف موقع الإسلام في إطار الفكر العالمي".

تناول الكتاب قضايا شديدة التعقيد، واتجاهات طالما كانت محل جدل ونقاش وصراع فكري منذ أفلاطون وحتى التاريخ الحديث، وقد قسم كتابه إلى قسمين: الأول "مقدمات: نظرات حول الدين"، ويضم 6 فصول؛ "الخلق والتطور، الثقافة والحضارة، ظاهرة الفن، الأخلاق، الثقافة والتاريخ، والدراما والطوبيا"، أو اليوتوبيا كما نسميها، كما يناقش موقف كل من الدين والإلحاد من قضية أصل الإنسان والقضايا الأخرى المتعلقة بها.

تجاوزت فصول القسم الأول القراءة التراثية للإسلام، فرد على النظريات المادية من داخل الفن والثقافة الغربية ذاتها، وفي أحد فصول هذا الكتاب رد بيغوفيتش على النظرية الداروينية عبر طرح غير تقليدي، فقد رد عليها من خلال تركيزه على الفن والأدب والظواهر الثقافية، التي رأى أنها ليست نتاج التطور، بل شأنها شأن الأخلاق والدين الذي لا يمكن تفسيرها تفسيرا ماديا.

أما القسم الثانى والذي حمل عنوان "الإسلام: الوحدة ثنائية القطب"، وتضمن عدة فصول، يتحدث فيه بيغوفيتش عن الأنبياء: موسى وعيسى ومحمد، الدين المجرد، قبول المسيح ورفضه، الطبيعة الإسلامية للقانون، ونوعين من المعتقدات الخرافية، والطريق الثالث خارج الإسلام.

مقاومة مبكرة

كانت البوسنة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 إحدى الجمهوريات الاتحادية في يوغسلافيا السابقة حتى استقلالها عام 1992، وفي تلك الفترة كان الشيوعيون يسيطرون على الحكم، لهذا فقد كان دستور دولة يوغسلافيا الاتحادية الفيدرالية الذي أعلن في يناير/كانون الثاني 1946 نسخة مشابهة للدستور السوفيتي.

وبالرغم من أن الدستور اليوغسلافي كفل حريات المعتقد، فإن السلطات الشيوعية هناك قيدت حريات المسلمين، فأغلقت المحاكم الشرعية وأغلقت الكتاتيب التي كانت تعلم القرآن والعلوم الشرعية، وتم حل جميع الجمعيات الإسلامية والثقافية والتربوية، ولم يتم الإبقاء إلا على الجمعية الإسلامية الرسمية ومدرستين إسلاميتين كانت خاضعتين لرقابة مشددة، كما جرى إغلاق المطبعة الإسلامية في سراييفو.

في تلك الأثناء كانت هناك مقاومة سرية ضد تلك الإجراءات، وكان بيغوفيتش في طليعة الشباب المقاوم لإجراءات رئيس جمهورية يوغسلافيا الاشتراكية المثير للجدل "جوزيف بروز تيتو".

وانخرط بيغوفيتش ضمن منظمة "الشباب المسلمين" البوسنية التي تأسست في سراييفو، وكان حينها في مطلع العشرينيات من عمره، فحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات منذ عام 1946، ضمن مئات الشباب الذين قضوا في السجون تلك الفترة.

استمر نشاط بيغوفيتش الفكري المناوئ للسلطة الشيوعية في التصاعد، فحوكم في أبريل/نيسان 1983 مع 12 آخرين من ناشطي البوسنة؛ بسبب نشرهم مجموعة متنوعة من المبادئ الإسلامية، تم اعتبارها من قبل محكمة سراييفو جرائم مستحقة للعقاب، كونها تمثل نشاطا معاديا للقومية الوطنية.

كما أدين بسبب تأليفه كتاب "البيان الإسلامي" بتهمة تبنيه "الأصولية"، وحكم عليه بالسجن 14 عاما، فتم سجنه.

وعندما ضعفت قبضة الحزب الشيوعي على السلطة في البوسنة عام 1988، متأثرة بضعف السلطة الشيوعية في موسكو، تم الإفراج عنه من قبل المحكمة في سراييفو، وكان قد أمضى خمس سنوات في السجن.

قرار الحرية

خرج بيغوفيتش من السجن في 1988، لكنه كان قد أخذ قرارا بالنضال من أجل الحرية والاستقلال، بعد أن وصل إلى قناعة بأن السلطات الشيوعية لن تسمح بتخفيف أي قيود على الحريات السياسية والدينية.

وقد أسهم تراجع المعسكر الشيوعي في موسكو باتخاذ بيغوفيتش ذلك القرار المصيري، فخاض نضالا مع الشيوعيين واليوغسلافيين والصرب، لكنه كان هذه المرة صراعا سياسيا، لا فكريا، حتى أعلنت البوسنة، استقلالها في 1 مارس/آذار 1992.

تم اختيار بيغوفيتش كأول رئيس بعد الاستقلال، إلا أنه وجد نفسه في المعركة لا في القصر الرئاسي، فقد قررت القوات الصربية المدعومة من يوغسلافيا شن حرب على البوشناق (العرقية المسلمة في البوسنة)، بسبب إعلانها ما اعتبرته انفصالا.

فقاوم بيغوفيتش أشرس حرب وخاض صراعا كان الأكثر كلفة على البشرية منذ الحرب العالمية الثانية وقد استمرت من 1 مارس/آذار 1992 وحتى نوفمبر/تشرين الثاني 1995.

وبالرغم من إعلان الأمم المتحدة اعترافها باستقلال البوسنة في 22 مايو/أيار 1992، واعتراف عدد من الدول الرأسمالية بالبوسنة كدولة مستقلة، إلا أنها لم تقم بحمايتها، وتركتها فريسة للقوات الصربية، فارتكب الصرب فيها أشرس المذابح.

من بينها مذبحة سربرنيتشا الشهيرة والأكثر مأساوية في العالم، حيث حفرت المقابر الجماعية السرية واغتصبت النساء، وهجر فيها المسلمون البوشناق، وارتكبت جرائم حرب وانتهاكات ضد الإنسانية حتى وصل قتلى الحرب في تلك السنوات الثلاث لأكثر من 100 ألف شخص.

كان الرئيس البوسني على رأس تلك المعارك، يخوض نضالا ويبلي حسنا، وبعد انتهاء الحرب في نوفمبر/تشرين الثاني 1995، بموجب اتفاقية دايتون للسلام، غادر بيغوفيتش منصبه الرئاسي في 5 أكتوبر/تشرين الأول 1996، أي بعد حوالي سنة من انتهاء الحرب.

وتوفي الرئيس الفيلسوف -استثناء القرن العشرين- وقائد الأمة البوسنية عام 2003 بمرض في القلب، ودفن بمقبرة متواضعة لشهداء الحرب، وضحايا الإبادة الجماعية من شعب البوسنة، وقال قبيل وفاته: إن "معركة توحيد البوسنة وترسيخ الديمقراطية تتقدم خطوة خطوة".


https://www.alestiklal.net/ar/view/6332/dep-news-1603280181

 

برهان شاهين

التحالف بيتنا
محللي المنتدى
إنضم
18/12/18
المشاركات
1,813
التفاعلات
8,393
رحمك الله رحمة واسعة
فقط لضيق الوقت لن أستطيع أن أقرأ هذه المشاركات
ولكني أعتبره من ملهمي الفكر الإسلامي الحديث وبطريقة قل نظيرها وتحاكي العصر بفكر نير وعظيم ويا ليت شبابنا وشيوخنا يقتدون به
 
أعلى