حصري "نظام الأنظمة" لمواجهة الطائرات المُسيّرة: تحليل للعمليات الأخيرة من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا

إنضم
21/6/23
المشاركات
244
التفاعلات
713
1718902546861.png

منذ نهاية الحرب الباردة، اعتمد الجيش الأمريكي على تفوقه الجوي في نزاعاته، وهو توقع تعزز من خلال تجاربه في الخليج العربي والبلقان وأفغانستان والعراق. ولكن في العقد الماضي، تغيرت طبيعة العمليات مع الاستخدام الواسع للطائرات بدون طيار (المُسيّرة) من قبل خصوم أمريكا من الدول وغير الدول.
تتمتع الطائرات المُسيّرة بالقدرة على توجيه ضربات دقيقة بتكلفة منخفضة، مما يجعل الحاجة إلى القوة الجوية الكبيرة والحديثة أمرًا غير ضروري. وقد صرح الجنرال كينيث ف. ماكنزي جونيور، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية، أمام الكونغرس في أبريل 2021: "للمرة الأولى منذ الحرب الكورية، نحن نعمل بدون تفوق جوي كامل... وإن لم نتمكن من تطوير ونشر قدرة شبكية لرصد [الطائرات المُسيّرة] والقضاء عليها، فستبقى الأفضلية للمهاجم".
لمواجهة هذا التحدي المتزايد، بدأت الولايات المتحدة ودول أخرى بالاستثمار في أنظمة مضادة للطائرات المُسيّرة. يمكن لهذه الأنظمة استخدام مجموعة متنوعة من أجهزة الاستشعار لاكتشاف الطائرات المُسيّرة، وبمجرد اكتشافها، يمكن الاشتباك معها من خلال وسائل مختلفة، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المُسيّرة الأخرى والمدافع والشبكات والحرب الإلكترونية.

Counter-Drone Operations from the Middle East to Ukraine_Arabic Version.pdf-image-001.jpg

يستعرض هذا البحث الأنظمة والأساليب المستخدمة لمواجهة الطائرات المُسيّرة في نزاعات قائمة أو سابقة في سوريا واليمن وليبيا وناغورنو كاراباخ وأوكرانيا. في بعض الحالات، كما في ليبيا وناغورنو كاراباخ، كان للطائرات المُسيّرة المقاتلة تأثير استراتيجي، إما في وقف عمليات تقدم كبيرة أو المساهمة بشكل كبير في تحقيق الانتصارات. بينما في نزاعات أخرى، مثل أوكرانيا، كانت طائرات الاستطلاع المُسيّرة بمثابة قوات إضافية تعمل لدعم القوات البرية.
ومع ذلك، تم إسقاط معظم الطائرات المُسيّرة الأمريكية والتركية والروسية والصينية المعنية، بالإضافة إلى الطائرات المُسيّرة المحلية الصنع التابعة لجهات فاعلة غير حكومية مثل تنظيم "الدولة الإسلامية"، مع نسبة اعتراض يُقال بأنها بلغت 80% و90% وفي بعض الحالات ما يقارب 100%. ولم تنفذ عمليات الاعتراض من خلال أنظمة جديدة ومخصصة لمكافحة الطائرات المُسيّرة فقط، بل من خلال أنظمة الدفاع الجوي وأدوات الحرب الإلكترونية القديمة، بما في ذلك مجموعة من الدفاعات الجوية التي تعود إلى الحقبة السوفيتية. وفي السياق الأوكراني، استُخدمت أيضًا أنظمة أكثر حداثة تابعة لـ "حلف شمال الأطلسي" ("الناتو").
 
سوریا -2011
تطور الصراع في سوريا من حرب أهلية إلى صراع إقليمي استقطب عددًا من القوى الخارجية. وكانت القوات الروسية، التي تدخلت في عام 2015 لدعم نظام بشار الأسد، المشغل الرئيسي للطائرات المُسيّرة وأنظمة مكافحة الطائرات المُسيّرة في سوريا.
كان مقر مركز العمليات الرئيسي لروسيا في سوريا في "قاعدة حميميم الجوية"، حيث نشرت روسيا منظومة دفاع جوي متكاملة وأدوات الحرب الإلكترونية. وبعد إنشاء مركز قيادة منفصل للتصدي للطائرات المُسيّرة في أواخر عام 2017، حققت الدفاعات الروسية في حميميم وطرطوس نجاحًا كبيرًا ضد هجمات الطائرات المُسيّرة التي شنها الجهاديون والمعارضة السورية. كما حققت الدفاعات الأرضية الروسية بعض النجاح ضد الطائرات المُسيّرة التركية في إدلب.
لكن أنظمة "بانتسير-س1" الروسية والسورية، التي عملت بشكل مستقل، لم تحقق نجاحًا في أغلب الأحيان في وجه الطائرات المُسيّرة التركية في شمال سوريا، وربما تكون قد تعطلت بعد تعرضها لهجمات إلكترونية تركية. كما يُقال بأن روسيا فقدت العشرات من طائرات الاستطلاع المُسيّرة "أورلان10-" أمام الدفاعات الجوية التركية وقوات المتمردين السوريين.
لعبت الهجمات الإلكترونية دورًا حاسمًا في عمليات التصدي للطائرات المُسيّرة الروسية والتركية. فمنظومة الحرب الإلكترونية المتنقلة "كراسوخا4-" الروسية عطلت اتصالات الطائرات المُسيّرة والطائرات المُسيّرة القتالية التي تعمل على ارتفاعات منخفضة ومتوسطة، كما يُقال. ويُقال أيضًا بأن منظومة الحرب الإلكترونية التركية "كورال" دعمت الطائرات المُسيّرة التركية التي تنفذ عمليات صد وتدمير الدفاعات الجوية للعدو (DEAD/SEAD) في شمال سوريا عبر الحدود مع تركيا. والأرجح أن منظومة "كورال" هي التي منحت تركيا إمكانية إرسال طائراتها المُسيّرة داخل مناطق اشتباك أنظمة "بانتسير" السورية، دون أن يتم كشفها، الأمر الذي سمح لتركيا فعليًا بتنفيذ ضربات جو-جو وجو-أرض في شمال سوريا.
تسببت الاشتباكات الجوية في تدمير عدد أقل من الطائرات المُسيّرة. فقد أسقطت الطائرات السورية طائرات مُسيّرة أردنية بصواريخ جو-جو في يونيو 2017 لكنها كانت أقل فاعلية في التصدي للطائرات المُسيّرة التركية في شمال سوريا. ودعمت تركيا عمليات طائراتها المُسيّرة عبر الحدود من خلال طائرات نظام الإنذار المبكر والتحكم المحمول جواً (AEW&C) من طراز "بوينغ إي-737 بيس إيغل"، حيث أمرت طائرات "أف-16" بإطلاق صواريخ خارج المدى البصري على الطائرات الهجومية السورية من طراز "سوخوي-24" في محاولة لاعتراض الطائرات المُسيّرة التركية والطائرات المُسيّرة القتالية فوق شمال سوريا.
وبشكل عام، ووفقًا لبعض التقارير، عطلت الدفاعات الروسية في سوريا بين عامي 2018 و2020 أكثر من 150 طائرة مُسيّرة. وقد أثرت تجربة روسيا في الدفاع عن "قاعدة حميميم الجوية" بشدة على الطريقة التي تنتھجھا حاليًا في عمليات تصديها للطائرات المُسيّرة. كما تعلمت روسيا من تلك التجربة الأسس اللازمة لتدريب من يقومون بالتصدي للطائرات المُسيّرة في صفوف الجيش الروسي، على مستوى الفصيل والسَرية والكتيبة واللواء. ويُقال أنھ منذ عام 2019 تضمنت جميع التدريبات العسكرية الروسية الرئيسية تدريبات تحاكي هجمات أسراب الطائرات المُسيّرة وكانت فيها الهجمات الإلكترونية عنصرًا أساسيًا. كما يتم تدريب اللوجستيين ومسؤولي الصيانة وحتى الطهاة على تكتيكات التصدي للطائرات المُسيّرة، وأصبح التدريب على صد هجمات الطائرات المُسيّرة حاليًا إلزاميًا في جميع الأجهزة العسكرية الروسية.
 
المملكة العربیة السعودیة، الیمن، -2015
خلال حربها في اليمن، اكتسبت المملكة العربية السعودية خبرة واسعة في الدفاع عن حدودها ومراكزها السكانية وأهدافها الصناعية المتفرقة جغرافيًا ضد ضربات الطائرات المُسيّرة. فقد اعتمد الحوثيون بشكل كبير على الطائرات المُسيّرة في هجماتهم على السعودية، حيث كانت ثلثي هجماتهم تقريبًا منذ عام 2021 بالطائرات المُسيّرة، كما استخدموا بشكل أساسي طائرات "قاصف-2K" و"صماد1/2/3" التي زودتهم بها إيران.
Counter-Drone Operations from the Middle East to Ukraine_Arabic Version.pdf-image-002.jpg

Counter-Drone Operations from the Middle East to Ukraine_Arabic Version.pdf-image-003.jpg

Counter-Drone Operations from the Middle East to Ukraine_Arabic Version.pdf-image-004.jpg
ومن خلال جهودها المركزة لمواجهة التهديدات، تمكنت السعودية من تحقيق معدل اعتراض للطائرات المسيّرة بلغ 90%، بفضل دمجها للرادارات الأرضية منخفضة المستوى وطائرات رادار الإنذار المبكر ومقاتلات "أف-15". تُعد القوات الجوية الملكية السعودية إحدى ثلاث قوات في الشرق الأوسط تمتلك طائرات نظام الإنذار المبكر والتحكم المحمول جواً، بما في ذلك طائرات "بوينغ إي-3 أ سانتري" أمريكية الصنع وطائرتي "ساب 2000 إيراي".
في فبراير 2020، نشرت رادارات "ساب جيراف" المتنقلة في السعودية، والتي توفر صورة جوية شبكية بزاوية 360 درجة. وقدمت رادارات من مجموعة "تاليس" تغطية إضافية . كما قدمت طائرات "أف-15" التابعة للقوات الجوية الملكية السعودية المزودة بصواريخ جو-جو متقدمة ورادارات متطورة حلاً فعالاً لمواجهة تهديد الطائرات المسيّرة.
ویستخدم الحوثیون مجموعة متنوعة من أنظمة صواریخ أرض-جو لدفاعات الطائرات المسیرة،من بینھا صواریخ "آر27-" جو- ّ جو المحولة وأنظمة الدفاع الجوي المحمولة (MANPADS (التي كانت سابقا -جو "میثاق2-" ً تابعة للقوات الجویة الیمنیة، بالإضافة إلى صواریخ أرض الإیرانیة المحمولة على الكتف. وبحلول نھایة عام 2015 وحده، نجح الحوثیون في إسقاط مایصل إلى 12 طائرة مسیرة تابعة للتحالف. ومنذ ذلك الحین، أسقطوا العدید من الطائرات القتالیةالأمریكیة الصنع، بما في ذلك "إم كیو9- ب ریبرز"، باستخدام صواریخ أرض-جو
في 14 سبتمبر 2019، واجهت السعودية تحديًا كبيرًا عندما أطلقت إيران طائرات مسيّرة وصواريخ كروز على محطتي معالجة النفط "بقيق" و"خريص" التابعتين لشركة "أرامكو" السعودية.
أدى الهجوم على منشآت النفط السعودية في عام 2019 إلى توقف نصف إنتاج البلاد اليومي من النفط الخام و5% من الإنتاج العالمي. ويُقال بأن أنظمة صواريخ "باتريوت" أرض-جو التي تشغلها السعودية والمكلفة بحماية المواقع فشلت في الاشتباك مع الطائرات المُسيّرة القادمة، على الرغم من أن صواريخ "باتريوت" لم تُصمم أبدًا لمواجهة الطائرات المُسيّرة الصغيرة القابلة للمناورة والمحلقة على ارتفاعات منخفضة.فضلاً عن ذلك، تتمتع رادارات "باتريوت" حاليًا بمجال رؤية ضيق نسبيًا يبلغ 120 درجة، مما يتطلب توجيهها نحو الاتجاه المتوقع للهجوم من أجل الرد بفعالية. وبما أن معظم هجمات الصواريخ والطائرات المُسيّرة منذ بدء الصراع في عام 2015 انطلقت من الجنوب، فقد تم توجيه بطاريات "باتريوت" السعودية وفقًا لذلك، وبالتالي لم تتمكن رادارات "باتريوت" من التعرف على هجوم قادم من الشمال الشرقي والرد عليه.
إلا أن المملكة لم تتوان في تحسين أنظمتها الدفاعية من خلال أربعة رادارات أمريكية من طراز "إيه إن/إم بي كيو-64 سنتينل"، وأنظمة الرادار الفرنسية والبريطانية المذكورة أعلاه، عززت السعودية دفاعاتها ضد صواريخ كروز والطائرات المُسيّرة من خلال توفير تغطية بمدى 360 درجة. ومنذ ذلك الحين، أجرت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية تدريبات مشتركة للتصدي للطائرات المُسيّرة، منطلقة بشكل أساسي من "قاعدة الأمير سلطان الجوية" بالقرب من الرياض. بالإضافة إلى ذلك، أكملت الولايات المتحدة والسعودية في مارس 2023 أول تدريبات مشتركة للتصدي للطائرات المُسيّرة في "مركز الرمال الحمراء للتجربة المتكاملة"، وهو موقع تدريب إقليمي تم إنشاؤه حديثًا في المملكة لاختبار تقنيات التصدي للطائرات المُسيّرة الجديدة والحالية.
 
ناغورنو كاراباخ، أیلول/سبتمبر- تشرین الثاني/نوفمبر 2020
Counter-Drone Operations from the Middle East to Ukraine_Arabic Version.pdf-image-006.jpg
في نزاع ناغورنو كاراباخ عام 2020، استخدمت أذربيجان الطائرات المُسيّرة القتالية التركية الصنع "بيرقدار تي بي 2" والذخائر المتسكعة الإسرائيلية الصنع من نوع "هاروب" لتجاوز كل مستوى تقريبًا من مستويات الدفاعات الجوية الأرمينية المنتشرة بكثافة في مسرح العمليات. فالطائرات المُسيّرة الأذربيجانية دمرت الدفاعات الجوية الأرمينية المتمركزة على الأرض، التي غالبًا ما كانت تُنشر في العراء، عدة مرات دون تمويه أو استخدام تدابير دفاعية أخرى. وبشكل عام، دمرت أذربيجان 65% من أنظمة الدفاع الجوي الأرمينية المنتشرة في ناغورنو كاراباخ. وفي المقابل، أسقطت أرمينيا طائرتين فقط من طراز "تي بي 2" خلال النزاع بأكمله.
غابت الطائرات المقاتلة المأهولة المتعددة الأدوار إلى حد كبير عن المجال الجوي، مما سمح للطائرات المُسيّرة بالعمل دون عوائق. وقامت أذربيجان أيضًا بتحويل طائرات "أنتونوف-2" الثنائية السطح من الحقبة السوفيتية إلى طائرات موجهة عن بُعد وإرسالها إلى مناطق الاشتباك الأرمينية الخاصة بالدفاع الجوي كوسائل خداع وتضليل. وعندما تم تفعيل صواريخ أرض-جو الأرمينية واشتباكها مع الطائرات الثنائية السطح، استخدمت طائرات "هاروب" الأذربيجانية، المتسكعة فوقها، أجهزة الاستشعار الكهروضوئية/العاملة بالأشعة تحت الحمراء الخاصة بها لتحديد موقع الرادارات الأرمينية وتدميرها من خلال الهجمات الانتحارية. ونقلت طائرات "بيرقدار تي بي 2" بيانات الاستهداف إلى المدفعية الأذربيجانية و/أو أطلقت قنابل موجهة بالليزر لتدمير الأنظمة الأرمينية.
لم تقر أذربيجان علنًا باستخدامها الهجمات الإلكترونية في ناغورنو كاراباخ. ولكن كما هو الحال في مسارح العمليات السورية والليبية، دمرت طائرات "بيرقدار تي بي 2" الأذربيجانية العديد من أنظمة الدفاع الجوي الأرمينية أثناء عمل راداراتها، مما يشير إلى الاستخدام المشترك للهجمات الإلكترونية والطائرات المُسيّرة.
تتكون الدفاعات الجوية الأرضية الأرمينية في الغالب من أنظمة صواريخ أرض-جو متنقلة قديمة من الحقبة السوفيتية، أبرزها أنظمة "أس-300"، وأثبتت أنها أقل قدرة من الأنظمة الروسية الأكثر حداثة المنتشرة في سوريا. ولم تكن الأنظمة الأرمينية في مجملها قادرة على تحديد مواقع الطائرات المُسيّرة الأذربيجانية بصورة مستمرة وتتبعها واستهدافها. وتفتقر أنظمة "أس-300 بي تي" و"أس-300 بي إس" الأرمينية إلى القدرة على تجميع الإشارات الرادارية المختلفة في صورة عملياتية واحدة. ووفقًا لبعض التقارير، كانت أنظمة مثل "أس-75" و"أس-125" و"أس-300 بي تي" و"أس-300 بي إس" قادرة على تحديد مواقع الطائرات المُسيّرة الأذربيجانية ولكن غير قادرة على اعتراضها، وكانت ضعيفة أمام الهجمات الإلكترونية للعدو. وأسقطت أنظمة صواريخ أرض-جو "أس-300 بي تي" و"أس-300 بي إس" وأنظمة الدفاع الجوي المحمولة الأرمينية عددًا قليلًا من الطائرات المُسيّرة الأذربيجانية، ولكن بسبب استخدامها في النزاع في مرحلة متأخرة جدًا، فإن تأثيرها لم يكن كبيرًا.
كانت المدافع الأرمينية المضادة للطائرات والذاتية الدفع، على غرار "زيد أس يو-23-4 شيلكا"، أو مركبات "أم تي-أل بي" المجهزة بمدافع مضادة للطائرات، غير فعالة إلى حد كبير دون رادارات وموجهات كهروضوئية مطورة. وأثبتت أنظمة الحرب الإلكترونية الأرمينية من نوع "بول-21" التي زودتها روسيا فعاليتها الكبيرة في تعطيل الطائرات المُسيّرة الأذربيجانية عند استخدامها. ولدى أرمينيا مجمع "ريبيلنت" متنقل واحد للهجمات الإلكترونية، لكنه لم ينجح وتم تدميره في القتال وفقًا لرئيس الوزراء نيكول باشينيان. وفي شمال غرب أرمينيا، نشرت روسيا نظام الحرب الإلكترونية المتنقل "كراسوخا" في قاعدتها العسكرية في غيومري. وتزعم بعض التقارير أن نظام "كراسوخا" أسقط ما لا يقل عن تسع طائرات "بيرقدار تي بي 2"، على الرغم من أنه من غير الواضح ما إذا كانت هذه الادعاءات صحيحة بما أن غيومري تقع على بعد حوالي 250 كيلومترًا من ساحة المعركة الرئيسية وبالتالي ربما خارج المدى الفعال لنظام "كراسوخا".
 
أوكرانیا، شباط/فبرایر -2022
تعتمد دفاعات أوكرانيا بالطائرات المسيّرة في حربها ضد روسيا بشكل كبير على ثلاث مستويات: طائرات مقاتلة مزودة بصواريخ جو-جو؛ دفاعات جوية أرضية، تشمل صواريخ أرض-جو ومدافع مضادة للطائرات؛ وجنود مسلحين بأنظمة الدفاع الجوي المحمولة والمدافع الرشاشة الثقيلة. قبل الحرب، كان مخزون أوكرانيا يتألف بشكل شبه حصري من أنظمة الدفاع الجوي الأرضية العائدة إلى الحقبة السوفيتية، مثل تلك المستخدمة في سوريا وليبيا وناغورنو كاراباخ. ومع مرور الوقت، ومع دخول أنظمة الدفاع الجوي الغربية المتقدمة مثل النظام الوطني المتقدم للصواريخ أرض-جو وصواريخ "إيريس-تي" التي تُطلق من السطح، و"فامباير" و"أفينجر" و"ستينغر" و"جيبارد"، أنشأت أوكرانيا بنية دفاع جوي متكاملة متعددة المستويات أكثر فعالية وأوسع نطاقاً. وفقاً للتقديرات المنشورة عن المعدات المدمرة، أثبتت أوكرانيا حتى الآن مهارة متزايدة في إسقاط الطائرات المسيّرة الروسية، في حين أن أنظمة الحرب الإلكترونية الروسية تسقط آلاف الطائرات المسيّرة الأوكرانية شهرياً، ومعظمها على الأرجح طائرات استطلاعية تجارية يمكن الاستغناء عنها.

شغلت القوات الأوكرانية طائرات مسيّرة قتالية من طراز "بيرقدار تي بي 2" مزودة من تركيا، بينما استخدمت القوات الروسية بشكل أساسي طائرة استطلاع "أورلان-10" الروسية، والذخائر المتسكعة "لانسيت-1/3"، والطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه "شاهد-131/136" الإيرانية (الاسم الروسي: جيران-1/2)، والتي تم استخدامها بعد ستة أشهر من الغزو. ويستخدم الطرفان ذخائر متسكعة، بدرجات متفاوتة من الفعالية، وآلاف الطائرات المسيّرة التجارية الرخيصة ذات المراوح الأربع والتي يمكن الاستغناء عنها، وخاصة طائرة "دي جي آي مافيك" الصينية الصنع، لمجموعة متنوعة من الأدوار مثل الاستطلاع ورصد المدفعية والقصف. وفقاً لبعض التقارير، تم استخدام الطائرات المسيّرة التجارية ذات المراوح الأربع لطرد طائرات العدو ذات المراوح الأربع من الجو.

في الأشهر القليلة الأولى من الغزو، دمرت طائرات "تي بي 2" الأوكرانية عشرات المركبات والمعدات العسكرية الروسية التي كانت تتحرك ضمن أرتال على الطرق، بينما أسقطت القوات البرية الأوكرانية أو عطلت ما لا يقل عن 45 طائرة استطلاع روسية من طراز "أورلان-10". الجدير بالذكر أن الصور المنشورة لطائرات "أورلان-10" بعد سقوطها أظهرت أن معظمها كان سليماً، مما يشير إلى استخدام الهجمات الإلكترونية بدلاً من الوسائل الحركية. أفادت تقارير أن القوات الروسية أسقطت أول طائرة "تي بي 2" في منتصف مارس 2022، وفي الأشهر الخمسة الأولى من الحرب، دمرت حوالي 90% من الطائرات المسيّرة الأوكرانية التي اعترضتها. كما استخدمت القوات الروسية بشكل فعال أدوات الحرب الإلكترونية لتتبع الطائرات المسيّرة الأوكرانية وشل حركتها. وفي المتوسط، كان متوسط العمر المتوقع للطائرات المسيّرة الأوكرانية، من الطائرات التجارية ذات المراوح الأربع إلى الطائرات الأكبر ذات الأجنحة الثابتة، ثلاث رحلات للأولى وست رحلات للثانية، ولم تنجح سوى حوالي 30% من مهام الطائرات المسيّرة الأوكرانية. بحلول صيف عام 2022، كانت روسيا قد توغلت في مناطق شرق أوكرانيا ودمجت بشكل فعال رادارات الإنذار المبكر والدفاعات الجوية الأرضية وأدوات الحرب الإلكترونية لكشف الطائرات المسيّرة الأوكرانية وعرقلتها وتعطيلها. ووفقاً لأحد الطيارين الأوكرانيين، أصبحت طائرات "بيرقدار تي بي 2" "عديمة الفائدة تقريباً" مع ازدياد تكامل الدفاعات الروسية، مما تطلب من الطيارين الأوكرانيين استخدام "تي بي 2" بشكل أكثر انتقائية للعمليات الخاصة.

ومع ذلك، كان النظام الروسي للحرب الإلكترونية "طارد" غير فعال إلى حد كبير. وكانت أنظمة الحرب الإلكترونية الروسية الأكثر قدرة، مثل "كراسوخا"، التي تشوش وتعطل الرادار وروابط الاتصالات الخاصة بطائرات "تي بي 2"، تتسبب في بعض الأحيان بنفس القدر من التعطيل للقوات والمعدات الروسية. كما كانت أنظمة الحرب الإلكترونية "آر-330 زد إتش زيتل" قصيرة المدى فعالة أيضاً في تشويش إشارات "جي بي إس" الخاصة بطائرات "تي بي 2" و"دي جي آي مافيك".

استخدمت القوات الروسية بشكل فعال الطائرات المسيّرة من طراز "أورلان-10" مع تكتيكات مماثلة لتلك التي استخدمتها القوات الأذربيجانية في ناغورنو كاراباخ لتنفيذ عمليات تحييد/تدمير الدفاعات الجوية للعدو. بعد تحليق طائرات "أورلان-10" في مناطق الاشتباك الخاصة بالدفاعات الجوية الأوكرانية، متسببة بتفعيل صواريخ أرض-جو الأوكرانية لرادارات التحكم بالحرائق الخاصة بها وبالتالي الكشف عن موقعها، استهدفت طائرات "أورلان-10" الأنظمة المكشوفة باستخدام أدوات الحرب الإلكترونية ونقلت إحداثيات الاستهداف إلى المدفعية الروسية لتدميرها. أجبر ذلك أنظمة صواريخ أرض-جو قصيرة إلى متوسطة المدى الأوكرانية مثل "أس إيه-8" و"أس إيه-11" على الانسحاب إلى ما وراء الخطوط الأمامية للحد من خسائرها.

بالنسبة لأوكرانيا، أثبتت الدفاعات الجوية الأرضية الغربية أنها أساسية لتحسين معدلات اعتراض الطائرات المسيّرة. تزعم القوات الأوكرانية أن صواريخ "إيريس-تي أس إل إم" الحرارية التي زودتها بها ألمانيا قد أسقطت كل قذيفة واجهتها منذ نشرها في أكتوبر 2022، بينما أفاد وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن أن النظام الوطني المتقدم للصواريخ أرض-جو (NASAMS) الذي زودتها به الولايات المتحدة، حقق "معدل نجاح بنسبة 100%" في أوكرانيا. زودت الولايات المتحدة على الأرجح أوكرانيا بنسخة ثانية من النظام الوطني المتقدم للصواريخ أرض-جو (NASAMS-2)، المجهز بنظام الاتصالات القياسي "لينك-16" الخاص بحلف شمال الأطلسي، مما يجعل النظام الوطني المتقدم للصواريخ أرض-جو قابلاً للتشغيل المتبادل مع أنظمة صواريخ أرض-جو أخرى مثل "يو إس باتريوت" و"إيريس-تي أس إل إم" الألمانية. يمكن لأجهزة الاستشعار من أحد الأنظمة، بما في ذلك الطائرات التي تحلق خارج المجال الجوي الأوكراني، أن توفر عند دمجها بشكل صحيح، بيانات استهداف لتمكين نظام آخر من الاعتراض.

أفاد الملحق العسكري الأوكراني لدى الولايات المتحدة، الجنرال بوريس كريمنتسكي، أن المدافع المضادة للطائرات ذاتية الدفع من طراز "جيبارد" التي زودتها بها ألمانيا، وكذلك "زيد أس يو-23-4" و"أس إيه-8"، "نجحت" ضد الطائرات المسيّرة. أكد تحليل أجراه المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة أن "جيبارد" فعالة للغاية، بينما تجد "أس إيه-19" و"زيد أس يو-23-4" العائدة إلى الحقبة السوفيتية صعوبة في إسقاط طائرات "شاهد-136" المسيّرة الإيرانية. نشرت أوكرانيا أيضاً أنظمة الدفاع الجوي المحمولة بين وحداتها واستخدمتها بفعالية ضد الطائرات المسيّرة من طراز "شاهد-136"، وكذلك ضد الطائرات الروسية التي تحلق على ارتفاعات منخفضة لتجنب أنظمة صواريخ أرض-جو الأوكرانية. الجدير بالذكر أن نظام "أس إيه-18" الذي نشرته القوات الأوكرانية، هو نظام الدفاع الجوي المحمول الأكثر شيوعاً، لكنها أصبحت تمتلك الآن أيضاً مجموعة متنوعة من أنظمة الدفاع الجوي المحمولة التي يزودها بها الغرب، من بينها "ستينغر" الأمريكي و"مارتليت" و"ستار ستريك" البريطانيين و"ميسترال" الفرنسي و"بيرون" البولندي.

خلال النزاع، زعمت أوكرانيا أن معدلات اعتراض الطائرات الإيرانية من طراز "شاهد-136" ارتفعت من 70% في أكتوبر 2022 إلى 100% بحلول يناير 2023. تسعى القوى الغربية جاهدة لضمان أن تحافظ أوكرانيا على تلك الأفضلية. بعد وقت قصير من تعهد الولايات المتحدة بتزويد أوكرانيا ببطارية صواريخ "باتريوت" في 21 ديسمبر 2022، بدأ 65 جندياً أوكرانياً تم اختيارهم بعناية بالتدريب في قاعدة "فورت سيل" في ولاية أوكلاهوما. وصلت أول بطارية "باتريوت" زودتها الولايات المتحدة إلى أوكرانيا في 19 أبريل 2023 وتم استخدامها على الفور. بالإضافة إلى ذلك، تعهدت ألمانيا بتزويد أوكرانيا ببطارية صواريخ "باتريوت" واحدة بينما تعهدت هولندا بتزويدها ببطاريتين.
 
الخلاصة
لا يوجد حل سحري لمواجهة الطائرات المسيّرة. بل إن الدفاع الأكثر فعالية ضد هذه الطائرات حاليًا يعتمد على أنظمة متعددة المستويات ومتكاملة وقابلة للتشغيل البيني، قادرة على توفير تغطية شاملة بزاوية 360 درجة، باستخدام مجموعة متنوعة من الخيارات التدميرية والتعطيلية. تشمل هذه الخيارات المدفعية المضادة للطائرات، وصواريخ أرض-جو وجو-جو، وأنظمة الحرب الإلكترونية، وعددًا من أسلحة الطاقة الموجهة.

يصف اللواء شون جيني، المدير السابق "للمكتب المشترك لأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة الصغيرة" (JCO) التابع للجيش الأمريكي، نهج "نظام الأنظمة" المتعدد المستويات لأسلوب القيادة والتحكم المشترك بأنه "أفضل طريقة" لمواجهة الطائرات المسيّرة، مشيرًا إلى أنه "ليس هناك منظومة واحدة قادرة على التصدي لنطاق تهديدات الطائرات المسيّرة". وتدعم تجارب مشغلي الطائرات المسيّرة في مناطق نزاعات أخرى هذه النتائج. على سبيل المثال، أسقطت إسرائيل عددًا من الطائرات المسيّرة باستخدام مجموعة متنوعة من الأنظمة المخصصة، بعضها يستهدف ويدمر الطائرات المسيّرة وأخرى تعطلها إلكترونيًا.

في مارس 2021، أسقطت مقاتلات "F-35I" الإسرائيلية طائرتين مسيّرتين إيرانيتين من طراز "شاهد-197" فوق بلدان مجاورة، بالتنسيق مع تلك الدول، قبل أن تتمكن الطائرتان من دخول المجال الجوي الإسرائيلي. وفي يوليو 2022، أسقطت إسرائيل ثلاث طائرات مسيّرة تابعة لـ"حزب الله" كانت تقترب من منصات الغاز البحرية في حقل كاريش للغاز الطبيعي في البحر الأبيض المتوسط باستخدام مقاتلات "F-16" وصواريخ أرض-جو "باراك 8" تم إطلاقها من السفينة الحاملة للصواريخ "آي إن إس إيلات". وفي مارس 2023، أسقطت إسرائيل طائرة مسيّرة تابعة لحركة "حماس" فوق غزة باستخدام أجهزة اعتراض "القبة الحديدية".

رغم ذلك، فإن الوحدات والمرافق التي لا تدخل في نطاق حماية الدفاعات المتكاملة تبقى أكثر عرضة للخطر حاليًا. لم يتم الإبلاغ عن استخدام أي جهة فاعلة لأنظمة مخصصة لمكافحة الطائرات المسيّرة بشكل حصري، بل اعتمدت في الغالب على منصات الدفاع الجوي القديمة المصممة لإسقاط الصواريخ الباليستية والطائرات التقليدية. بينما توفر هذه الأنظمة دفاعًا مناسبًا ضد الطائرات المسيّرة الكبيرة، إلا أنها في النهاية باهظة التكلفة ليتم استخدامها ضد أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة الصغيرة.

من ناحية أخرى، نشر الجيش الأمريكي عدة منصات مخصصة لمكافحة الطائرات المسيّرة، مثل "كويوتي" و"أل-ميديس"، مع خضوع عدد من النماذج الأولية للاختبار التشغيلي في الميدان، مثل "هيليوس". تُستخدم "قبة الحماية من الطائرات المسيّرة" الإسرائيلية، وهي نظام مضاد للطائرات المسيّرة قادر على استخدام حلول الاستهداف التدميرية أو تعطيلها إلكترونيًا، في العديد من دول "الناتو" والدول الآسيوية.

تتيح هذه الأنظمة فرصة لتعزيز وتكملة أنظمة الدفاع الجوي القديمة التي لا تزال في الخدمة، مما يساعد على سد فجوة قدرات مكافحة الطائرات المسيّرة مع تقليل تكلفة اعتراضها. عند توافر الإمكانات بصورة مكثفة ومتكاملة، يمكن تحقيق معدلات اعتراض تصل إلى 80% أو 90% أو أحيانًا ما يقارب 100% باستخدام التقنيات الحالية. لكن من المرجح أن تستمر الأنظمة ذاتية التشغيل في الانتشار بمعدل متسارع في العقود القادمة. وإذا أرادت الولايات المتحدة الحفاظ على تفوقها في ساحة المعركة، سواء ضد منافسيها الذين يملكون مقدرات عسكرية مشابهة أو غيرهم، فإن الاستثمار المستمر وإجراء الاختبارات ونشر المنصات المضادة للطائرات المسيّرة ستكون ذات أهمية قصوى.

في خطاب عام ألقاه الجنرال ماكنزي في فبراير 2021، تحدث عن خطورة الوضع قائلاً: "إن التهديد المتزايد الذي تشكله هذه الأنظمة [الطائرات المسيّرة الصغيرة المتاحة تجاريًا] إلى جانب افتقارنا إلى القدرات الشبكية التي يمكن الاعتماد عليها لمواجهتها هو أكثر التطورات التكتيكية إثارة للقلق منذ ظهور العبوات الناسفة في العراق".

في السنة المالية 2022/23، تعتزم وزارة الدفاع الأمريكية إنفاق أكثر من 668 مليون دولار على البحث والتطوير في مجال مكافحة الطائرات المسيّرة وما لا يقل عن 78 مليون دولار على مشتريات مكافحة الطائرات المسيّرة. اليوم، يتطلع "المكتب المشترك لأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة الصغيرة" إلى نشر أنظمة الطاقة الموجهة ميدانياً لتعطيل الطائرات المسيّرة، خاصةً وأن الطائرات المسيّرة المعادية أصبحت مستقلة ومقاومة بشكل متزايد للهجمات الإلكترونية. لكن "المكتب المشترك" لا يزال يشدد على الحاجة إلى "اعتماد حل حركي" في حالة فشل حلول التعطيل الإلكتروني. من المرجح أن يحدد البحث المستمر عن ردود فعالة على هذا التهديد مستقبل الحرب المضادة للطائرات المسيّرة لسنوات قادمة.
 
عودة
أعلى