الوطن العربي

التحالف بيتنا
خبراء المنتدى
إنضم
12/12/18
المشاركات
865
مستوى التفاعل
2,209

كل عام، وفي الـ 21 من يوليوز يستحضر المغاربة ذكرى مجيدة، توارثها الآباء عن الأجداد، تروي قصصاً بطولية عن أبطال من ريف المغرب، وقفوا بصدور مُشرعة يملأها الإيمان وحب الوطن، مُسترخصين أنفسهم ومتاعهم، في وجه عدو إغتصب الأرض.. والأمنيات، عدو لم يترك من شجرة الأحلام النظرة، سوى عروش نخرة باعثة للكآبة. لما ضاق الناس بهذا الحال، ترعرع غضب خفي في الأنفس، سرعان ما أججته همة رجل أتى من عمق الجبل، فهناك بقرية”أجدير” كان ميلاده، قبل أن يشب على الأنفة وحب الوطن. “عبد الكريم الخطابي” المثقف الثائر، الذي خلدته الذاكرة بدخوله في حرب غير متكافئة مع عدو أكبر وأعظم تسليحاً، قبل أن يجره إلى معركة عظيمة غيرت تاريخ المغرب في حربه ضد الإستعمار، إنها معركة”أنوال” المجيدة.

anwl.gif


“عبد الكريم الخطابي”، الذي عاين الإسبان في مدينة مليلية لسنوات بحُكم عمله هناك، كان من الأوائل الذين فطنوا إلى الأطماع التوسعية للجارة إسبانيا. حارب بداية بقوة الكلمة وبلاغة اللسان، قبل أن يعمد إلى حمل السلاح حين كسب ثقة سكان الريف برمته. في أوائل سنة 1920 بدأ النزاع بين الفرقاء بمناوشات متفرقة، سرعان ما استفحلت إلى حرب شاملة أرخت جناحها على الريف بطوله. حقق الإسبان انتصارات صغيرة في مناطق”الدريوش”و “بويميان”، قبل أن يحطوا الرحال بمنطقة”أنوال”، وفي غمرة انشغالهم بالتخطيط لخطوات قادمة، انقض عليهم جيش الريف على حين غرة، ليُشعلوا بذلك أوار معركة كانت الأقوى في تاريخ المغرب.

معركة مع “الأشباح”

“أنوال”، تمر هذه الكلمة عبر جملة يتيمة في التلفزيون أو في جرائد هنا وهناك، وينتهي كل شيء. ثم نعود إلى واقعنا المقطوع عن جذورنا وكأننا شعب لقيط بلا تاريخ ولا حضارة ولا إنجازات ولا بطولات، لكن وجب الفخر، أنهُ لم يسجل تاريخ أية مقاومة مسلحة في أي بلد ،ولا في أي وقت من الأوقات، انتصاراً باهراً يماثل ما أحرزه مجاهدو الريف ضد إسبانيا في معركة أنوال الفاصلة. ألف جندي مغربي كان لهم موعد مع المجد في مواجهة جيش لا يقل عدده عن 30 ألف جندي. ففي الـ 31 من شهر ماي 1921، اتخذ الجنرال”سيلفستري” الترتيبات اللازمة استعداداً للزحف نحو مركز (ظهر أبران) بقبيلة (تمسمان)، وفي يونيو خرجت من أنوال القوات الأسبانية متوجهة نحو المركز ليكونوا قريبين من الجبال التي يرابط فيها الخطابي ورجاله، وهناك تركوا حامية مؤلفة من 300 جندي، قبل أن يعودوا أدراجهم إلى أنوال في انتظار أوامر من مدريد. تربص المجاهدون بحامية “ظهر أبران” القليلة العدد لأيام، قبل أن يقتحموها ليمعنوا في جنودها تقتيلاً إلا عدداً قليلاً استطاع الهروب، و يستولوا على عتاد حربي بالغ القيمة من مدافع ومئات البنادق وأكياس البارود. وقد أكدت الصحافة الإسبانية آنذاك”أن معلومات مُستقاة من الجنود الإسبان الفارين من مذبحة “ظهر أبران” قد أكدت أن الخطابي نفسه كان يقود عصبة المجاهدين الذين أغارت على الحامية، وأنهم قد باغتوهم كالأشباح في جنح الظلام”.

كان أول عمل قام به الجنرال”سيلفستري” بعد سقوط “ظهر أبران” هو تعزيز المراكز الأمامية بوحدات عسكرية إضافية تفوق حاجيات كل مركز، مما نتج عنه مشاكل كثيرة، وزاد من صعوبة تنقل القوافل العسكرية من مركز إلى مركز، مما حدا بالجنرال إلى احتلال أكبر عدد ممكن من المراكز الثانوية في محاولة لاحتواء المشاكل، ولكن بدون جدوى.

أنوال.. المعركة الفاصلة

عشية يوم الخميس 21 يوليوز 1921، هجم العدو بجميع ما يملك من القوة التي وردت عليه من أسبانيا و تطوان ورجال القبائل التي استحضرها والمسماة بـ “الحركة” ليناهز اجمالي الجيش 60 ألف مقاتل، لتدور معركة شديدة لم يسبق لها مثيل في جميع المعارك التي خاضتها أسبانيا منذ دخولها التراب المغربي، دون أن يستطيع الجيش الأسباني اختراق صفوف المجاهدين، رغم الأسلحة الثقيلة و الخفيفة، وبعض الطائرات التي ظهرت لأول مرة في الميدان الحربي بالريف. صبيحة الجمعة 22 يوليوز كان الجيش الإسباني قد أثخنته الجراح، ولما لاحت للجنرال”سيلفستري” أطياف الهزيمة، قررالفرار بما تبقى من جيشه حفاظاً على ماء وجه العرش الإسباني. تاركاً عتاده الحربي الثقيل متجهاً إلى مليلية المحتلة، ولكن الزعيم الخطابي كان قد أمر المجاهدين بالدخول ليلاً ليقطعوا الطريق على العدو إذا ما أراد الانسحاب فكان لهم ذلك. لتدوم المعركة يومين كاملين قضى فيها المجاهدون على الجيش الإسباني، فمات من مات، و أسر من أسر. ليُطارد الفلول المتبقين في شعاب الجبال، حيث نُكل بهم في تلال”الدريوش”، وجبال”العروي” و”سلوان”، حتى وقف رجال الخطابي على أسوار مليلية. في مذكراته كتب الخطابي:”ردت علينا هزيمة أنوال 200 مدفعٍ من أعيرة 65، 75 و 77، وأزيد من 20 ألف بندقية، ومقادير لا تُحصى من القذائف، وملايين الخراطيش، وسيارات و شاحنات وتموينا كثيرا يتجاوز الحاجة،كما أخذنا 700 أسير، فيما تكبد الإسبان خسارة 15 ألف جندي ما بين قتيل وجريح”.

يصف المؤرخون نتائج تلك معركة”أنوال”، بكونها واحدة من الانتصارات الساحقة والمطلقة التي حققها مقاومون مسلحون بطريقة بدائية على جيش نظامي مدجج بمختلف أنواع الأسلحة، إلى درجة أن إسبانيا فقدت خيرة جنرالاتها وجنودها، لتبدو المعركة وكأنها نسخة ثانية من معركة “وادي المخازن” التي غير فيها المغرب وجه العالم. في أكناف كتب التاريخ العظيمة.. وقلوب المغاربة، تقتعد معركة”أنوال” مكاناً قصياً كأحلام الطفولة، تداعب مخيلتنا كلما استحضرنا صوراً عن عظمة هذا البلد الذي هزته الكوارث، وعصفت به الأزمات لعصور طويلة، لكن مع كل إشراقة شمس، سرعان ما تدب الروح فيه عشقاً للأمل.. والحياة

أنوال-.jpg
 
أعلى