تـأثـيـر الـمـنـاخ و الـطـقـس الـحـاد عـلـى الـعـمـلـيـات الـعـسـكـريـة

عــمــر الـمـخــتــار

طاقم الإدارة
مشرف عام
إنضم
14/5/19
المشاركات
4,950
التفاعلات
26,533
بسم الله الرحمن الرحيم
1443/11/2 - 2022/5/31
AFP_324F22E-4-3-139032232417-3223x2417.jpg


The effect of climate and weather on military operations

الطقس هو حالة الجو الفعلية (الحالية) عند وقت معين وفي مكان معين أو المتوقعة مستقبلاً، بينما يعرف المناخ على أنه معدل حالة الجو لمنطقة معينة في فترة زمنية طويلة تقدرها المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ب 30 سنة. وتشتق المعلومات المناخية على أساس متوسطات ومعدلات لقراءات وإحصاءات يومية وشهرية وسنوية وفصلية، وهي حصيلة معلومات لسنوات عديدة، بهذا فإن أشارت معلومات المناخ لمنطقة معينة على أن صيفها معتدل، فإن هذا لا يحول من تعرضها لأجواء حارة أو باردة في وقت ما من الصيف. وفي أبسط تعريف له يعرف المناخ على أنه هو متوسط الطقس.

المعلومات الإحصائية المناخية تسهم مساهمةً كبيرة في سير مختلف العمليات العسكرية في حالتي السلم والحرب. فبفضل هذه الخلفية المناخية يمكن للقادة والمخططين العسكريين في مختلف الأسلحة البرية والبحرية والجوية والكيميائية وسلاح الهندسة وغيرها، معرفة وتقييم تأثيرات الظروف المناخية (السلبية والإيجابية) في أنشطة القوات المسلحة. فالدور الحاسم للمعلومات المناخية في عملية اتخاذ القرار العسكري يجب أن تدرس بعناية للتمكن من الإجابة على الأسئلة التي من الممكن أن تفرض نفسها، فلهذه المعلومات قيمة هامة عند تحديد أماكن وضع المعدات العسكرية والأسلحة والأشخاص، سواء في أماكن التدريب أو على جبهات الحرب. يضاف إلى ذلك نوعية الملابس ومعدات الجيش التي تحتمها الظروف الجوية المسيطرة.

ومن بين أحد الأمثلة المعروفة على تأثير المناخ على الحملات العسكرية هو دور برد الشتاء القارس في روسيا في إحباط هجوم الجيش الألماني على العاصمة موسكو في سنة 1941م. كما أن المعلومات المناخية تساعد الأطقم الصحية العسكرية في إعداد الترتيبات المناسبة للرعاية الصحية ونقل المرضى والمصابين، بالإضافة إلى تحديد عدد وتصاميم ومواقع العيادات الطبية وجودة وكمية التجهيزات الطبية، حيث إن لبعض الظروف الجوية علاقة مباشرة بالعديد من الأمراض، فعلى سبيل المثال فإن للعواصف الرملية تأثيرات صحية كبيرة، كسرطان الرئة و الربو وامراض العيون و التهاب السحايا الدماغية وغيرها. يضاف إلى تأثيرها على المزاج العام للجنود والضباط وإحساسهم بعدم الارتياح وزيادة إرهاقهم. لهذا فإن توفر المعلومات المناخية الكافية عن هذه الظاهرة في المنطقة المستهدفة يساعد في الإعداد النفسي والمادي لمثل هذه الظروف، حيث تستطيع الأطقم الطبية التعامل مع مثل هذه الأمراض المصاحبة لهذه العواصف، وذلك بتوفير الأدوية والمعدات اللازمة، وكذلك وضع خطط احترازية لتفادي النقص الذي قد يحدث نتيجةً للحوادث والتأخير والضياع نتيجةً لرداءة الرؤية (أقل من 1000 م) وشدة الرياح المصاحبة للعواصف الرملية وأثرهما على النقل البري والجوي.

إن معلومات الطقس الحاضر أو الراهن تتكون من مختلف الأنواع من معلومات الأرصاد الجوية للاستخدام من قبل وحدات الجيش بما فيها سلاح الطيران والمدفعية والهندسة والأسلحة الكيماوية وغيرها كل حسب اهتماماته، فسلاح الطيران يحتاج إلى معلومات الأرصاد الجوية المتعلقة باتجاه وسرعة الرياح، بما فيها مكان وشدة التيارات النفاثة Jet Streams ودرجات الحرارة في المستويات التي من المحتمل أن يطير عليها، أما فيما يتعلق بسلاح المدفعية فيحتاج إلى تحديد ارتفاعات السحب، وإلى درجات الحرارة والضغط الجوي والرطوبة وحركة الهواء في مختلف المستويات التي تصلها القذيفة؛ حتى يتسنى للمتخصصين القيام بعمليات التصحيحات الضرورية لتأثير هذه العناصر على القذيفة من مغادرتها المدفع وحتى أقصى ارتفاع تصل إليه، كما أن معلومات الطقس الحالية تمكن موظفي الأطقم الطبية العسكرية من إعداد خطط أكثر فعالية لعملهم وتمكنهم من اتخاد إجراءات احترازية، فعلى سبيل المثال الطقس الذي يجبر العسكريين البقاء في معسكراتهم يزيد من معدل المرتادين على المستشفى؛ لأن هذا يزيد من فرص انتقال العدوى.

لحالة الجو الراهنة أو المتوقعة الأثر البالغ والدور الكبير على العمليات الحربية وذلك منذ أقدم العصور وحتى الوقت الحالي رغم توفر التقنيات الحديثة والمتطورة، ويسعى القادة والمخططين العسكريين منذ القدم للاستفادة من حالة الجو لصالح قواتهم قدر الإمكان، ومحاولة استغلال فترات تحسن الحالة الجوية بما يسمح بتوجيه ضربة قوية للعدو، أو القيام بعملية عسكرية كبيرة، ويعتبر إنزال الحلفاء على ساحل النورماندي الفرنسي في الحرب العالمية الثانية مثلا واقعيا على ذلك، حيث تم الإنزال بنجاح في الوقت الذي لم تتوقعه القيادة الألمانية بسبب رداءة أحوال الطقس آنذاك. كما أن تحليل الوضعية الجوية للطقس الحاضر هو دائماً جزء من إمكانية إيجاد التفسيرات الممكنة للحوادث سواء الصغيرة منها أو الكبيرة، فعلى سبيل المثال، عند التحقيق في حوادث الطيران يجب على خبراء الأرصاد الجوية تقديم مختلف المعلومات عن الأرصاد الجوية والتحليلات العلمية والفنية لوضعيات الطقس السائدة ساعة وقوع الحادث ومدى إمكانية علاقتها بالحادث.

التنبؤات الجوية للأغراض العسكرية لا تختلف في الأساس عن أي نوع من التنبؤات، لكن يجب أن تكون أكثر دقةً ووضوحاً بقدر الإمكان، فالتنبؤات الجوية اليومية يجب أن تشمل العناصر الجوية المختلفة كالرياح ودرجة الحرارة والسحب (الارتفاع والكمية)، والرؤية والظواهر الجوية كالضباب والغبار والأتربة المثارة والأمطار والثلوج. كما أن لمختلف العمليات العسكرية التنبؤ الجوي الخاص بها، فعلى سبيل المثال، عند استخدام الغازات يجب أن تعطى تنبؤات مفصلة عن الرياح على النطاق المحلي في المناطق المحظورة. وهذا يتطلب معلومات خاصة وتفصيلية وفي فترات مستمرة، بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تصدر تحذيرات عن الظروف الجوية المتوقعة والمناسبة عند استخدام الغازات أو الأسلحة الجرثومية على العدو أو عندما يستخدمها العدو.

إن فترات الطقس الحرجة (الحادة) تشكل خطورةً على العمليات العسكرية، حيت تتسبب في تأخير وتعطيل خطط التنقل والحركة وخطوط وقنوات الاتصالات والإمداد والدعم والإسناد. ففي ليبيا مثلا، تعتبر العواصف الرملية أكثر الظواهر الجوية حدةً ونشاطاً، وتحليل البيانات المناخية لتكرار حدوث هذه العواصف المتوفرة في كامل البلاد يبين أن هذه الظاهرة تؤثر على معظم أرجاء ليبيا، وأنها تحدث في مختلف شهور السنة في العديد من المناطق، وتكون أكثر نشاطاً في فصل الربيع وأن شهر إبريل له نصيب الأسد من عدد العواصف الرملية في معظم محطات الدراسة، وبين التحليل كذلك أن محطات الأرصاد الجوية السينوبتيكية synoptic meteorology في مناطق طبرق وهون وسرت هي الأكثر عرضةً للعواصف الرملية بتردد سنوي قدره 15 و 13 و 11 عاصفة على التوالي. إن العواصف الرملية - والتي تُصحب برياح قوية تحمل معها كميات كبيرة من الأتربة والغبار من سطح الأرض الى مسافات طويلة - لها تأثيرً كبيراً على العمل العسكري براً وبحراً وجواً، وذلك نتيجةً للتأثيرات السلبية الكبيرة والمربكة لهذه العواصف على جميع نشاطات القوات المسلحة، حيت تؤثر على المعدات الحربية والأجهزة والأليات والمدرعات بأنواعها، والبيئة الجغرافية مكان إقامة القوات العسكرية والموارد المائية وزيادة كمية استهلاك الوقود وتحد من عمليات التنقل براً وجواً وذلك لما تسببه هذه العواصف من تدني شديد في الرؤية، ولما لهذا من تأثيرات على العمليات اللوجستية، وعمليات الدعم، وذلك بكثرة الحوادث وما ينتج عنها من خسائر بشرية ومادية يضاف إلى عمليات الضياع والتأخير.

علاوة على ذلك، فإن دروس التاريخ تبين أن العواصف الرملية لها تأثيرات خطيرة ومباشرة على عمليتي الهبوط والإقلاع والحوادث المميتة المصاحبة لها، وتُشكل عقبة أمام الطيران بوجه عام، فمثلا حادث تحطم طائرة ياسر عرفات في الصحراء الليبية في 17 / 2 / 1992 - والذي ذهب ضحيته 3 من أفراد الطاقم الجوي كان مثالاً واقعياً على تأثير العواصف الرملية على عمليات الطيران، وكذلك على عمليات البحث والإنقاذ، حيت كانت العاصفة الرملية في ذلك اليوم هي السبب المباشر لهذا الحادث وكذلك السبب في تأخير عمليات البحث والإنقاذ التي جرت على الطائرة المنكوبة وركابها، حيث لم يتمكن الطيارين من الهبوط في مطار الكُفرة نتيجة لوجود عاصفة رملية قوية مصحوبة برياح شديدة وزوابع رملية لم تمكنهم من رؤية المدرج ففضلوا التوجه إلى مطار السارة ولكن لسوء الحظ سبقتهم العاصفة إليه مما أضطرهم للهبوط الاضطراري وكانت النتيجة مميته ومؤلمة.

يتحتم على القادة والمخططين العسكريين أن يضعوا في نصب أعينهم العلاقة الأساسية بين المناخ والطقس خاصةً الحاد منه، وذلك عند التخطيط للعمليات العسكرية والحربية، بل وحتى عند القيام بالمناورات والتدريبات العسكرية والتنقلات الروتينية للجيوش، كما يجب على المخططين العسكريين دراسة الأوضاع المناخية التي كان لها دور رئيسي في تحديد نتائج المعارك عبر التاريخ، فجميع العمليات العسكرية بغض النظر عن حجمها ونطاقها تتحكم فيها بيئة العمليات بما فيها الطقس والمناخ، إذ ينبغي على القائد العسكري الناجح دراستها ومعرفة أثارها واختيار الخطط التي تتلأم معها. إن خطط ومعسكرات التدريب يجب أن تأخذ في الحسبان مختلف الظروف الجوية والمناخية لتهيئة الجندي للعمل في مختلف البيئات وتحت أي ظروف جوية، خاصةً تلك الظروف القاسية التي تصحب الظواهر الجوية الحادة بما فيها العواصف الرملية العنيفة.





الأستاذ / علي الدنجال
almusallh.ly



 
أعلى