الـفـسـفـور الأبـيـض White phosphorus

عــمــر الـمـخــتــار

طاقم الإدارة
مشرف عام
إنضم
14/5/19
المشاركات
3,609
التفاعلات
19,806
بسم الله الرحمن الرحيم
1442/11/7 - 2021/6/17
article-10477-hero.jpg


لقد كثر في الآونة الأخيرة استخدام سلاح الفوسفور الأبيض في الحروب والنزاعات المسلحة، ولا سيّما تلك الدائرة في منطقة الشرق الأوسط. وفي كل نزاع يُستعمل فيه هذا السلاح تبدأ الأبحاث والدراسات التي تتمحور حول الآثار الصحية والبيئية له. وغالبًا ما يتذرّع مستعملو هذا السلاح ومصنّعوه بشرعيته بسبب غياب اتفاقية دولية تحظّره صراحة. وفي المقابل تنادي الدول المستخدم ضدها بعدم شرعيته ومخالفته لأحكام القانون الدولي.

وإزاء الرأيين المتقدمين، بين مؤيد لاستخدام سلاح الفوسفور الأبيض ومعارض له، تبرز مشكلة قانونية، مفادها هل أن عدم وجود اتفاقية دولية تحظر سلاح الفوسفور الأبيض يشكل مبرراً لاستخدامه في الحروب والنزاعات وتجعله مشروعاً؟ يُعدُّ محظورًا طبقًا لقواعد العرف الدولي ولا سيّما قواعد القانون أم أنّه الدولي الإنساني؟ وهل يعتبر سلاح الفوسفور الأبيض سلاحًا كيميائيًا محظرًا استخدامه بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية لعام 1993؟ أم هو من الأسلحة المحرقة المحظورة بموجب بروتوكول الأسلحة الحارقة للعام 1980؟


أوّلًا: سلاح الفوسفور الأبيض تعريفه وآثاره

لا يّعد سلاح الفوسفور الأبيض من الأسلحة الحديثة، فقد استخدم منذ مئات السنين، إلّا أنّ تغيّر أهداف الحرب من هزيمة العدو إلى ارتكاب المجازر الجماعية بحق المدنيين، سبّب هذا الاستعمال المتزايد لهذا السلاح، نظرًا لما يتمتّع به من خصائص تميّزه عن باقي أنواع الأسلحة. وللوقوف على خطورة سلاح الفوسفور الأبيض، سنتطرق إلى تعريفه لنرى كيف يؤثر على صحة الإنسان وبيئته.



1- تعريف سلاح الفوسفور الأبيض

إنّ سلاح الفوسفور الأبيض هو عبارة عن سلاح يعمل عبر امتزاج الفوسفور الأبيض فيه مع الأوكسجين. والفوسفور الأبيض هو أحد الأشكال المتآصلة للعنصر الكيميائي الفوسفور. والفوسفور هو عنصر كيميائي في الجدول الدوري، رمزه الكيميائي P وعدده الذري 15. ويعتبر الفوسفور من العناصر الرئيسة في المواد الغذائية، يعمل على بناء العظام وتكوينها. وللفوسفور ثلاثة أشكال تآصيلية هي: الفوسفور الأبيض والفوسفور الأحمر والفوسفور الأسود.

اُكتشف الفوسفور العام 1669، بواسطة العالم الألماني هينغ براند Hening Brand في أثناء بحثه عن حجر الفلاسفة، وحُضر حينها من البول وأسماه براند (فوسفورس) نسبة إلى الكلمة اليونانية التي تعني حامل الضوء، فكلمة Phos تعني الضوء وPhorus تعني حامل.

والفوسفور الأبيض هو عبارة عن مادة سامة وخطيرة له رائحة تشبه رائحة الثوم، ويكون لونه أبيض إذا كان بالشكل النقي، وذا لون أصفر إذا كان منتجًا مصنعًا بسبب امتزاجه مع المركبات الكيميائية، ولذلك فهو يسمّى بالفوسفور الأصفر، ويكون شديد الاشتعال يحترق بمجرد تعرضه للأوكسجين منتجًا نارًا أبيض كثيفًا.

عندما يتعرّض الفوسفور الأبيض للهواء، يتحوّل بسرعة كبيرة إلى خامس أكسيد الفوسفور، ويولد هذا التفاعل الكيميائي حرارة كبيرة مع دخان أبيض كثيف. وبسبب هذا الدخان واللهب المضيء، غالبًا ما تتذرّع الدول بأنّها تستعمل سلاح الفوسفور الأبيض في حروبها، بهدف إخفاء حركات الجنود أو للإضاءة أو كساتر دخاني.


gettyimages-1228990008-2048x2048.jpg

صورة لذخيرة الفوسفور الأبيض خلال جلسة إحاطة قدمها رئيس القسم في الوكالة الوطنية الأذربيجانية لمكافحة الألغام (ANAMA) - 2020/10/10


2- آثار استخدام سلاح الفوسفور الأبيض

عند استخدام سلاح الفوسفور الأبيض ينتج دخان أبيض كثيف، ومن الطبيعي أن يستنشق الجنود والمدنيّون معًا هذا الدخان، ولكن هل يُلحق هذا السلاح ضررًا بصحة الإنسان وبالبيئة؟


أ - آثار استخدام سلاح الفوسفور الأبيض على الصحة

يدخل الفوسفور الأبيض إلى جسم الإنسان إمّا من خلال جزيئات الفوسفور، أو عبر استنشاق الدخان الذي ينتج عند احتكاك الفوسفور بالهواء. فالفوسفور الأبيض عندما يتعرّض للهواء، يشتعل ويتأكسد بشكل سريع ويتحول إلى خامس أكسيد الفوسفور. ويولّد هذا التفاعل الكيميائي حرارة كبيرة على شكل لهب مضيء مع دخان أبيض كثيف. ويبقى الفوسفور الأبيض يشتعل ويحترق حتى درجة 1500 فهرنهايت (816 درجة مئوية) حيث لا يبقى منه أي شيء، أو حتى ينتهي ما حوله من الأوكسجين. يُعدّ سلاح الفوسفور الأبيض سلاحًا حارقًا وكيميائيًا، يسبّب عندما يلامس الجلد، أو لدى استنشاقه أو ابتلاعه، جروحاً خطيرة للأشخاص ويؤدي إلى الوفاة أحيانًا.

فعندما يلامس الفوسفور الأبيض الجلد، يؤدي إلى حروق كثيفة ومؤلمة، من الدرجتين الثانية والثالثة، وأحيانًا ما تصل الحروق إلى العظام. ويمكن للماء أن يوقف الحروق مؤقتًا، ولكن مخاطر إعادة اشتعال الفوسفور الأبيض كثيرة، لأن جسيمات الفوسفور الأبيض المتبقية، ستشتعل مجددًا عندما تتعرض للأوكسجين.

ويمكن أن يعاني ضحايا الحروق التي يسبّبها الفوسفور الأبيض أضرارًا في الكلى والكبد والقلب. وهذا ما توصّل إليه التقرير الذي أصدرته "وزارة الصحة لدى العدو الإسرائيلي" في أثناء الحرب على غزة في العام 2009، إذ ورد فيه "إنّ الدراسات أظهرت أنّ الحروق التي تغطي نسبة قليلة من الجسد نحو 12 إلى 15 في المئة من الجسم في حيوانات التجارب، وأقل من 10 في المئة في البشر يمكن أن تكون قاتلة بسبب آثارها على الكبد والقلب والكليتين. وبالإضافة إلى وجود آثار أخرى منها النقص الحاد في الكالسيوم والتأخر في التئام الجروح والحروق.

ما يميّز سلاح الفوسفور الأبيض عن غيره من الأسلحة الدخان الأبيض الكثيف الذي ينتج عند اشتعاله في الهواء. هذا الدخان يتكوّن من جزيئات خامس أوكسيد الفوسفور الذي بدوره يتفاعل مع الرطوبة في الهواء أو الجسم ليكوّن حامض الفوسفوريك. أمّا الآثار التي يتركها حامض الفوسفوريك، فهي تتوقّف على مدّة التعرّض له، والمقدار الذي يدخل إلى الجسم.

يؤدي استنشاق الدخان الصادر عن الفوسفور الأبيض، أو التعرض المزمن للهواء الملوث بالفوسفور ، إلى السعال وظهور اصابات وتشوهات في عظام الفك، والتي تعرف بحالة Phassy Jaw، ويترافق ذلك مع صعوبة في التئام الجروح وتكسّر في عظام الفك. وتنشأ أكياس صديدية (تحوي القيح) في تلك المنطقة بسبب تفاعل الفوسفور مع البكتيريا الموجودة في الفم، الأمر الذي قد ينتهي بالموت في بعض الحالات بسبب نفاذ الالتهاب إلى مجرى الدم، كما وقد يؤدي استنشاق الفوسفور الأبيض إلى تلف الأوعية الدموية في الفم، وأضرار خطيرة في الرئة والحنجرة.

وتعتبر العينان أكثر مناطق جسم الإنسان تأثرًا بهذه المادة، حيث يؤدي استنشاق الدخان إلى تهيّج العينين، وتهيّج الأغشية المخاطية، والتدميع المتواصل، ويمكن أن يؤدي إلى فقدان البصر نتيجة تمزّق القرنية. أمّا ابتلاع الفوسفور الأبيض بشكل منتظم، فيؤدي إلى تدهّن الكبد مع علامات وعوارض فشل الكبد الحاد.

وفي ما يتعلّق بتأثير سلاح الفوسفور الأبيض على ظهور الأورام السرطانية والتشوّهات الخلقية والإصابة بالعقم، فقد قرّرت وكالة حماية البيئة الأميركية أن الفوسفور الأبيض غير قابل للتصنيف باعتباره عنصرًا يسبّب السرطان للكائنات البشرية. ولكن إذا تتبعنا الأبحاث والدراسات التي أجريت لهذا الغرض، بعد انتهاء الحروب التي شنّت على فلسطين والعراق، نرى أنّ جميعها أكّدت وجود علاقة بين استخدام سلاح الفوسفور الأبيض وظهور الأورام السرطانية والتشوهات الخلقية والعقم.


ب - آثار استخدام سلاح الفوسفور الأبيض على البيئة

لا تقتصر مخاطر سلاح الفوسفور الأبيض على الحرق والقتل اللذين يطالان ضحاياه، بل يمتد تأثيرها إلى البيئة المحيطة، فتسبب تلوث الماء والتربة بعد أن تكون قد لوّثت الهواء بالدخان الذي ينتج عن اشتعال الفوسفور الأبيض فور اتصاله بالهواء، وما ينتج عن ذلك من نوبات سعال شديدة بين الأفراد تكون مصحوبة بتهيج في الجلد والفم والحلق والعيون.

يلوّث الفوسفور الأبيض البيئة عند تصنيعه، أو عند استخدامه لصنع المواد الكيميائية الأخرى، أو عندما يستخدم كسلاح عسكري، أو عند تسرّبه في أثناء التخزين والنقل. فعند تسرب الفوسفور الأبيض في الهواء، يتفاعل بسرعة مع الأوكسجين وينتج عن هذه العملية مواد كيميائية سامة.

وبحسب وكالة حماية البيئة الأميركية فإن الفوسفور الأبيض يتفاعل بشكل رئيسي، في البيئة المائية، مع جزيئات الأوكسجين الموجودة فيها، أو قد يبقى على حاله فترة زمنية تصل إلى عدّة أيام من دون تفاعل، ليزيد ذلك من فرصة وصوله إلى أجسام الأسماك التي تعيش في تلك المياه، ممّا قد يتسبّب بموتها. كما ويهدّد ذلك صحة الأفراد الذين يعتمدون على تلك المياه لأغراض الشرب، أو أكل الأسماك الملوثة. أمّا في ما يختص بالمياه التي تنخفض فيها مستويات الأوكسجين كالمياه الجوفية وقيعان الأنهار، فإنّ مركب الفوسفور الأبيض يبقى فيها من دون أن يتفاعل مع الجزيئات الأخرى، وذلك لفترة قد تمتد لآلاف السنين، أو قد يتحلّل إلى غاز شديد السمية يعرف بالفوسفين.

وتشير التقارير إلى أنّ بعض جزيئات الفوسفور الأبيض لا تتفاعل مع الأوكسجين، بل تصبح محاطة بغطاء يحول دون تفاعلها مع الهواء، ولفترة زمنية طويلة، فتستقر في المياه الجوفية أو الطبقات العميقة من التربة بضع سنوات.

كما يُلحق الفوسفور الأبيض أضرارًا بالأشجار بفعل الحرارة العالية التي تتولّد عند تعرّض هذه المادة للهواء، ممّا يؤدي إلى إحراق الأشجار والغابات التي تعتبر أهم وسيلة لامتصاص ثاني أوكسيد الكربون وتخزينه، وانبعاث غازات أول وثاني أكسيد الكربون وغيرها من الغازات المسبّبة لظاهرة الاحتباس الحراري في الجو نتيجة الحرق. كما يؤدي استخدام سلاح الفوسفور الأبيض إلى تدمير النظام البيئي الطبيعي من حيوانات ونباتات، وتلويث المنتوجات الزراعية التي يتم فيما بعد تناولها عن طريق السلسلة الغذائية.

ثانيًا: النظام القانوني لاستخدام سلاح الفوسفور الأبيض في القانون الدولي العام


يُعد استخدام سلاح الفوسفور الأبيض محظوراً في القانون الدولي عبر طريقتين: الأولى إذا وجدت اتفاقية تحظر استخدامه صراحة، والثانية إذا كان الاستخدام ينتهك مبادئ الحرب وقوانينها وأعرافها، والتي تشمل جميع المعاهدات التي تحكم سير العمليات العسكرية والأسلحة وحماية ضحايا النزاعات المسلحة، بالإضافة إلى القواعد العرفية التي لها علاقة بهذه المواضيع.

80357e877297d4a5f0c0659eff3a04b5.jpg

gaza-wp-1280x640.jpg

لحظة سقوط ذخيرة الفسفور الأبيض على المدنيين في قطاع غزة - حرب 2008/2009


1- سلاح الفوسفور الأبيض في ضوء الاتفاقيات الدولية

يخلو القانون الدولي من اتفاقية تحظر صراحة استخدام سلاح الفوسفور الأبيض. إلّا أنّه مع ذلك هناك اتفاقيات معينة يمكن تطبيقها على هذا السلاح. ويتم ذلك من خلال تشابه الآثار التي يحدثها هذا السلاح مع تلك الخاصة بالأسلحة المحظورة بموجب الاتفاقيات الدولية. كما ويكون ذلك من خلال استعمال أسلوب الاستقراء واتباع القياس المنطقي.

وبما أنّ سلاح الفوسفور الأبيض عبارة عن مادة كيميائية سامة، يسبّب عندما يلامسها الجلد حروقًا كثيفة ومؤلمة، فهو بذلك أقرب إلى الأسلحة الكيميائية والأسلحة الحارقة. وقد حظر القانون الدولي استخدام الأسلحة الكيميائية من خلال إتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية للعام 1993، كما نظّم استخدام الأسلحة الحارقة من خلال البروتوكول الخاص بالأسلحة الحارقة الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية للعام 1980. ولتفاصيل علاقة سلاح الفوسفور الأبيض بالأسلحة الكيميائية والحارقة، سنبحث هذا السلاح في ضوء اتفاقية الأسلحة الكيميائية للعام 1993، وبروتوكول الأسلحة الحارقة للعام 1980.


أ - سلاح الفوسفور الأبيض واتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لعام 1993

حظّرت المادة الأولى من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية استخدام السلاح الكيميائي تحت أي ظرف من الظروف، حتى لو استدعت الضرورة العسكرية ذلك. ولا يقتصر الحظر على استخدام السلاح، بل أيضًا على استحداثه وإنتاجه وتخزينه. فما هو تعريف السلاح الكيميائي المحظر بموجب هذه الاتفاقية؟ وهل أنّ سلاح الفوسفور الأبيض يعتبر سلاحًا كيميائيًا؟ عرّفت المادة (2 فقرة 1) من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية السلاح الكيميائي بأنّه:

(أ) المواد الكيميائية السامة وسلائفها، باستثناء المواد المعدّة منها لأغراض غير محظورة بموجب هذه الاتفاقية ما دامت الأنواع والكميات متفقة مع هذه الأغراض.

(ب) الذخائر والنبائط المصممة خصيصًا لإحداث الوفاة أو غيرها من الأضرار عن طريق ما ينبعث نتيجة استخدام مثل هذه الذخائر والنبائط من الخواص السامة للمواد الكيميائية السامة المحددة في الفقرة الفرعية (أ).

(ج) أي معدات مصمّمة خصيصًا لاستعمال يتعلق مباشرة باستخدام مثل هذه الذخائر والنبائط المحددة في الفقرة الفرعية (ب).

وبناءً لهذا التعريف أدرجت الاتفاقية ثلاث جداول بالمواد الكيميائية السامة وسلائفها، ولكنها لم تشر إلى الفوسفور الأبيض كمادة كيميائية سامة، فهل يعني ذلك أنّها لا تعتبر سلاحًا كيميائيًا؟

يرى البعض أنّ سلاح الفوسفور الأبيض لا ينطبق عليه وصف السلاح الكيميائي الوارد في الاتفاقية. غير أنّ نظرة فاحصة على هذا التعريف تشير إلى أنّ سلاح الفوسفور الأبيض يلبّي الشرط الذي يتطلّبه البند (أ) من المادة (2 فقرة 1) من اتفاقية الأسلحة الكيميائية، ويستبعد البندين (ب) و(ج) لأنّ سلاح الفوسفور الأبيض لم يصمّم خصيصًا لإحداث الوفاة أو غيرها من الأضرار، بل يستخدم لإخفاء تحركات الجنود أو كباعث وساتر دخاني أو لإضاءة الأهداف.

وعلى الرغم من أنّ الفوسفور الأبيض لا يتوافق والشروط التي يتطلبها البندان (ب) و(ج)، إلّا أنّه يعتبر سلاحًا كيميائيًا كون المادة الثانية من الاتفاقية نصّت صراحة على أن "يقصد بمصطلح الأسلحة الكيميائية ما يلي مجتمعًا أو منفردًا..."، ممّا يعني أنّه يكفي أن يلبّي السلاح أي ظرف من الظروف التي حددها التعريف، والفوسفور الأبيض يستوفي - كما ذكرنا - الشروط التي يتطلّبها البند (أ).

ويثير البند (أ) من المادة (2 فقرة 1) النقاش حول نقطتين:

أولاً: ماهي المواد التي تصنّف على أنّها كيميائية سامة؟

أعطت المادة (2 فقرة 2) من الاتفاقية تعريفًا للمادة الكيميائية السامة بنصّها" أي مادة كيميائية يمكن من خلال مفعولها الكيميائي في العمليات الحيوية أن تحدث وفاة أو عجزًا مؤقتًا أو أضرارًا دائمة للإنسان أو الحيوان...". وبناءً لهذا التعريف، ليس ضروريًا أن تكون درجة السمية للمادة الكيميائية قاتلة، بل يكفي أن تؤدي إلى العجز المؤقت.

وهل أنّ سلاح الفوسفور الأبيض يعتبر مادة كيميائية سامة بحسب التعريف الوارد أعلاه؟

لقد اختلفت الآراء حول اعتبار سلاح الفوسفور الأبيض مادة كيميائية سامة. فالكاتب رومان ريهاني Roman Reyhani لم يعتبره سامًا كون الأضرار التي يحدثها عند اتصاله بالجلد أقرب إلى تلك التي تسبّبها الأسلحة الحارقة. فبحسب رأيه، يحرق الفوسفور الأبيض الجلد من خلال توليد مستويات عالية من الحرارة، وليس كجزء من التفاعل الكيميائي. ولدعم رأيه هذا، أعطى ريهاني Reyhani مثالًا عن ضحايا الهجوم على الفلوجة، الذين كانوا يشتكون من حروق غريبة لم تكن تنطفئ بالماء.

بينما رأى الكاتب تيسيير Tessier أنّ الفوسفور الأبيض يسبب حروقًا كيميائية يمكن أن تؤدي إلى تسمّم الجسم البشري، أو الوفاة في حال عدم المعالجة. أمّا الكاتبان روجرز وماكليد Rogers and Macleod، فقد اعتبرا أنّه يمكن تصنيف الفوسفور الأبيض على أنّه مادة كيميائية سامة، وبالتالي يدخل ضمن التعريف الوارد في الفقرة (2 من المادة 2)، لأنّ التفاعل الكيميائي الذي ينتج عند استخدام الفوسفور الأبيض يؤدي إلى آثار سلبية على الإنسان والحيوان. واستند الكاتبان في رأيهما إلى الأبحاث التي أجريت على الأفراد الذين تعرّضوا للفوسفور الأبيض، والتي أظهرت أنّ التعرّض لهذا السلاح عن طريق الجلد، يمكن أن يؤدي إلى أضرار في الكلى والكبد. وهذا ما ذهب إليه أيضًا الكاتب سوليSolis ، فعلى الرغم من أنّه لم يعتبر سلاح الفوسفور الأبيض سلاحًا كيميائيًا، إلّا أنّه خلص إلى امتلاك هذا السلاح لخصائص سامة.

لقد أثبتت الدراسات التي أجريت على الفوسفور الأبيض أنّ استنشاقه لمدة قصيرة، يمكن أن يؤدي إلى السعال وتهيج القصبة الهوائية والرئة. أمّا استنشاقه لفترة طويلة، فيسبب جروحًا في الفم وكسر عظمة الفك، ودخوله إلى جسم الإنسان عن طريق الأكل والشرب يمكن أن يحدث أضرارًا بالكلى والكبد، وفي حال ملامسته الجلد يحدث حروقًا خطيرة.

ولما كانت المادة الكيميائية السامة تسبّب العجز أو الوفاة فليس هناك من شك أنّ الفوسفور الأبيض، نظرًا لما يسبّبه من أضرار، يصنّف على أنّه مادة كيميائية سامة.

ثانيًا: وإذا كان الفوسفور الأبيض مادة كيميائية سامة فهل يمكن تصنيفه سلاحًا كيميائيًا؟

لقد اعتبرت المادة (1) من اتفاقية الأسلحة الكيميائية عند تعريفها للسلاح الكيميائي، أنّ الأسلحة الكيميائية هي المواد الكيميائية السامة وسلائفها، باستثناء المواد المعدّة منها لأغراض غير محظورة بموجب هذه الاتفاقية، فما هي الأغراض التي يسمح فيها باستخدام السلاح الكيميائي؟

لقد أشارت المادة (2 فقرة 9) من الاتفاقية إلى المقصود بهذه الأغراض غير المحظورة بموجب الاتفاقية وهي :"(ج) الأغراض العسكرية التي لا تتّصل باستعمال الأسلحة الكيميائية ولا تعتمد على استخدام الخصائص السامة للمواد الكيميائية كوسيلة للحرب".

والسؤال الذي يطرح هنا: هل أنّ الاستخدامات العسكرية لسلاح الفوسفور الأبيض تعتمد على استخدام الخصائص السامة للمواد الكيميائية كوسيلة للحرب؟

رأى كلً من ماكليود وروجرز Macleod and Rogers أنّه على الرغم من أنّ الفوسفور الأبيض يعتبر سلاحًا كيميائيًا كما عرفته اتفاقية الأسلحة الكيميائية، إلّا أنّه ليس محظورًا في أغلب استخداماته كتوفير الإضاءة وإنشاء ساتر دخاني، حتى إنّ استخدامه بهدف إخراج المقاتلين من مخابئهم ليس محظورًا بموجب الاتفاقية، كون هذا الإجراء لا يعتمد على الخصائص السامة للفوسفور الأبيض. وأخذ بهذا الرأي الكاتب سوليز Solis، الذي اعتبر أن المادة 2 (9) (د) من اتفاقية الأسلحة الكيميائية تعني أنّ الاستخدامات الأساسية للفوسفور الأبيض ليست غير قانونية، وتتضمّن إنشاء ساتر دخاني وتوفير الإضاءة واستخدامها لأغراض حارقة. وجادل سوليز Solis بأنّ استخدام الفوسفور الأبيض في الفلوجة هو جائز بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية، لأنّ الفوسفور الأبيض استخدم لأغراض حارقة، وليس لأغراض كيميائية أو سمية.

وهذا ما ذهب إليه أيضًا الكاتب فيدلر Fidler، الذي رأى أنّها إذا كانت ذخائر الفوسفور الأبيض تحتوي على مواد كيميائية، فليس من الضروري اعتبارها أسلحة كيميائية، لأنّ هذه الذخائر تستعمل للإضاءة أو لإنشاء ساتر دخاني، بهدف تغطية المناورات العسكرية، أو تستعمل لأغراض حارقة. وهذه الاستعمالات ليست محظورة بموجب الاتفاقية كأغراض عسكرية استنادًا إلى المادة (2 فقرة 9) منها. وخلص فيدلر Fidler إلى أنّ الولايات المتحدة الأميركية استخدمت سلاح الفوسفور الأبيض في الفلوجة بسبب خصائصه الحارقة، من أجل إخراج المقاتلين من مخابئهم. ولا يعكس هذا الاستعمال النية في قتل المقاتلين عبر تعرضهم للمواد الكيميائية السامة التي تنتج عند استخدام ذخائر الفوسفور الأبيض.

وعلى النقيض من ذلك، اعتبر الكاتبان ريهاني وتسيير أنّ استخدام الفوسفور الأبيض في الفلوجة، اعتمد فعلاً على الخصائص السامة للفوسفور الأبيض.


وعليه، هنا إجماع على أنّ الغاية من استخدام الفوسفور الأبيض هي التي تحدد قانونيته. إن استخدام سلاح الفوسفور الأبيض لإنشاء ساتر دخاني، أو للإضاءة، لا يعتمد على الخاصية السامة للفوسفور الأبيض، وبالتالي لا يعتبر محظورًا بموجب الاتفاقية، والحال كذلك إذا استخدم لإشعال النار بهدف الإشارة إلى الهدف العسكري. أمّا اذا تم الاعتماد على الخاصية السامة للفوسفور الأبيض لقتل أو جرح المحاربين عندها يعتبر غير مشروع.

202011arms_incendiary_pashto.jpg

طائرات حربية تابعة للجيش الروسي تشن هجوماً بقنابل الفوسفور الأبيض على قرية كفر حمرة في حلب بسوريا - 2016/6/22


ب - سلاح الفوسفور الأبيض وبروتوكول الأسلحة الحارقة لعام 1980

حظر البروتوكول الثالث الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية للعام 1980 استخدام الأسلحة الحارقة. وعرّف البروتوكول في مادّته الأولى السلاح الحارق بأنّه" أي سلاح أو أي ذخيرة، مصمّم أو مصمّمة في المقام الأول لإشعال النار في الأشياء، أو للتسبّب بحروق للأشخاص بفعل اللهب أو الحرارة أو مزيج من اللهب والحرارة المتولدين عن تفاعل كيميائي لمادة تطلق على الهدف".

وبناءً لهذا التعريف، كي يعتبر السلاح حارقًا، لا يكفي أن يؤدي استخدامه إلى إشعال النار وإحداث حروق للأشخاص، بل يجب أن تكون هذه الآثار الهدف الأساسي من الاستخدام.

وفيما يتعلّق بسلاح الفوسفور الأبيض، فهذا يعني أنّه إذا كان قد صمّم لإنشاء ساتر دخاني أو للإضاءة، فهو بذلك يقع خارج إطار التعريف. وقد أخرج البروتوكول صراحة من نطاقه (أي عدم اعتباره سلاحًا حارقًا) الذخائر التي يمكن أن تكون لها، آثار حارقة، مثل المضيئات، أو القاذفات، أو ناشرات الدخان، أو أجهزة الإشارة.

وعليه، إذا كان الهدف الأساسي من استخدام سلاح الفوسفور الأبيض إحداث حروق للأشخاص وإشعال النار، فإنّه يعتبر سلاحًا حارقًا حسب التعريف الوارد في البروتوكول.

وعليه، إذا كان سلاح الفوسفور الأبيض مصممًا أساسًا بهدف التسبّب بحروق للمدنيين وإشعال النار بالأشياء فيعتبر سلاحًا حارقًا كما عرّفه البروتوكول الثالث. أمّا إذا كان استعماله لغايات عسكرية، فلا يدخل ضمن نطاق التعريف الوارد في البروتوكول، إلّا أنّ ذلك لا يعني شرعية استخدامه، بل تبقى القوات العسكرية ملزمة باحترام مبادئ القانون الدولي العرفي كمبدأ التناسب، ومبدأ حظر الهجمات العشوائية، ومبدأ التسبّب بآلام مفرطة أو معاناة غير ضرورية.

لم يمنع بروتوكول الأسلحة الحارقة استخدام سلاح الفوسفور الأبيض بشكل مطلق، إنّما حظر استخدامه في حالات أربعة هي:

أوّلًا: حظر جعل المدنيين والأعيان المدنية هدفًا للهجوم بالأسلحة الحارقة.

ثانيًا: حظر إطلاق الأسلحة الحارقة من الجو.

ثالثًا: حظر إطلاق الأسلحة الحارقة من الأرض ضدّ العسكريين المتواجدين في منطقة مكتظّة بالسكان، إلّا إذا كان الهدف العسكري واضح الانفصال عن تجمّع المدنيين، وأن تتّخذ الاحتياطات المستطاعة لحماية المدنيين بما يجعل الآثار الحارقة تقتصر على الهدف العسكري ويحول دون إحداث خسائر عرضية في أرواح المدنيين أو إصابات بينهم، أو أضرار بالأعيان المدنية، أو يقلّل في جميع الأحوال من هذه الخسائر.

رابعًا: حظر جعل الغابات والأنواع الأخرى من الغطاء النباتي هدفًا للأسلحة الحارقة، إلّا في حالة استعمال هذه العناصر الطبيعية لتغطية أو إخفاء أو تمويه مقاتلين أو أهداف عسكرية أخرى، أو كانت هي نفسها أهدافًا عسكرية.

وبناء على ما تقدّم، حظّر البروتوكول صراحة استخدام السلاح الحارق ضدّ المدنيين، أو الأعيان المدنية، ولكنّه بالمقابل سمح باستخدامها ضدّ العسكريين بشرط أن تُطلق الذخائر الحارقة من الأرض، وأن تُتخذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين.

إنّ استخدام سلاح الفوسفور الأبيض لغايات عسكرية كإخفاء تحرّكات الجنود أو للإضاءة ليس مطلقًا، بل مقيدًا بمراعاة مبدأ التناسب بين الميزة العسكرية المرجوة من الهجوم وبين الاعتبارات الإنسانية، فإذا رأى مستخدم السلاح أنّ سلاح الفوسفور الأبيض سوف يسبب ضررًا بالمدنيين والأعيان المدنية، تفوق الميزة العسكرية المرجوة، وجب عليه أن يمتنع عن استخدامه.

أمّا إذا كان الهدف من استخدام الفوسفور الأبيض إحداث حروق للأشخاص والتسبب بوفاتهم، عندها يعتبر سلاحًا حارقًا كما عرّفه البروتوكول، ويحظّر توجيهه ضدّ المدنيين أو إطلاقه من الجو. بينما يبقى استخدامه مشروعًا ضد العسكريين، بشرط أن يطلق من الأرض (المدفعية أو السفن)، وأن تُتخذ جميع الاحتياطات المستطاعة لحماية المدنيين في حال تواجد العسكريين بمنطقة مكتظة بالسكان.

2- القواعد العرفية المتعلقة بحظر استخدام سلاح الفوسفور الأبيض

يضم القانون الدولي الإنساني جملة من القواعد التي تحظر استخدام الأسلحة ومن بينها سلاح الفوسفور الأبيض، ومن هذه القواعد:

أ - حظر الأسلحة العشوائية الأثر

تُعرّف الأسلحة العشوائية الأثر بأنها الأسلحة التي لا يمكن توجيهها إلى هدف عسكري، أو التي لا يمكن حصر آثارها على النحو الذي يتطلبه القانون الدولي الإنساني. فهذا الأخير، يحظّر استخدام الأسلحة العشوائية الأثر، كونها تصيب المقاتلين وغير المقاتلين على حد سواء، من دون تمييز فيما بينهم، وتصيب أيضًا الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ولا يمكن السيطرة على آثارها. وقد تجسّد هذا الحظر في المادة (48) من البروتوكول الإضافي الأوّل للعام 1977 التي أوجبت على الأطراف المتعاقدة التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية من دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام السكان المدنيين والأعيان المدنية وحمايتهم. فهل يمكن تأمين "الاحترام" و"الحماية" في حال استخدام سلاح الفوسفور الأبيض؟

عندما يتعرّض الفوسفور الأبيض إلى الهواء، تحدث سلسلة من التفاعلات الكيميائية، فيتفاعل الفوسفور بداية مع الأوكسجين بسرعة كبيرة، ويتحوّل إلى خامس أوكسيد الفوسفور ويولّد هذا التفاعل الكيميائي حرارة كبيرة، مسببًا الحرائق في المنطقة التي ألقي عليها سواء أكانت مناطق مدنية، أو معدات حربية، منتجًا نارًا ودخانًا أبيض كثيفًا، كما ويلحق أضرارًا بالمدنيين سواء عند استنشاقهم إيّاه أو عند ملامسته الجلد. وبالنظر إلى الخصائص الكيميائية السامة والخصائص الحارقة لهذا السلاح، فلا يمكن تأمين حماية المدنيين المشار إليها في المادة (48) من البروتوكول.

وإذا كان القانون الدولي الإنساني يهدف إلى حماية المدنيين في أثناء سير العمليات القتالية، فقد حظر هذا القانون الهجمات العشوائية التي من المتوقّع منها أن تلحق أضرارًا بالمدنيين والأعيان المدنية. وأعطت المادة (51 فقرة 4) من البروتوكول الإضافي الأوّل مفهومًا للهجمات العشوائية بقولها:

تحظر الهجمات العشوائية، وتعتبر هجمات عشوائية:

أ) تلك التي لا توجه إلى هدف عسكري محدد.

ب) أو تلك التي تستخدم طريقة أو وسيلة للقتال لا يمكن أن توجّه إلى هدف عسكري محدد.

ج) أو تلك التي تستخدم طريقة أو وسيلة للقتال لا يمكن حصر آثارها على النحو الذي يتطلّبه هذا الحق "البروتوكول"، ومن ثم فإنّ من شأنها أن تصيب، في كل حالة كهذه، الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين أو الأعين المدنية دون تمييز.


كما أوردت المادة (51 في الفقرة 5) من البروتوكول تعريفًا لنوعين من الهجمات. يعرّف البند الأوّل من الفقرة 5 النوع الأول من الهجمات العشوائية بأنّه "الهجوم قصفًا بالقنابل، أيًا كانت الطرق والوسائل،والذي يعالج عددًا من الأهداف العسكرية الواضحة التباعد والتميّز بعضها عن البعض الآخر، والواقعة في مدينة أو بلدة أو قرية أو منطقة أخرى تضم تمركزًا من المدنيين أو الأعيان المدنية، على أنّها هدف عسكري واحد". أمّا النوع الثاني من الهجوم، فهو الذي من شأنه أن يحدث خسائر مفرطة بين السكان المدنيين، ويعرّفه البند (ب) من المادة (51 فقرة 5) على الشكل الآتي "الهجوم الذي يمكن أن يتوقّع منه أن يسبّب خسارة في أرواح المدنيين أو إصابة بهم أو أضرارًا بالأعيان المدنية، أو أن يُحدث خلطًا من هذه الخسائر والأضرار، يُفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عن هذا الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة". فهل إنّ استخدام سلاح الفوسفور الأبيض يفضي إلى هجمات عشوائية؟

white-phosphorus-feature.jpg

استخدم التحالف الدولي الفسفور الأبيض في الموصل إبان الحرب على داعش

اعتبر الكاتب فيدلر fiddler أنّ ذخائر الفوسفور الأبيض ليست عشوائية بطبيعتها لأنّه يمكن توجيهها بدقّة نحو الهدف العسكري، واستخدامها بطريقة تقلّل من الخسائر العرضية في حياة المدنيين وممتلكاتهم.

وبرأينا، إنّ هذا القول غير دقيق، فكل قذيفة فوسفور أبيض تنفجر جوًا تنشر 116 شظية فوسفور أبيض محترقة وتسقط على مساحة تمتد 250 مترًا من نقطة الانفجار. فضلًا عن أنّ الدخان الأبيض الكثيف، الذي يتكوّن نتيجة تفاعل الفوسفور الأبيض مع الأوكسجين، والذي يحتوي على خامس أكسيد الفوسفور، يؤثر في المدنيين والمقاتلين معًا.

وإذا ما عدنا إلى المادة (51 فقرة 4) من البروتوكول الإضافي العام للعام 1977 ، نلحظ أنّ البند (ج) ينطبق بصفة أساسية على سلاح الفوسفور الأبيض، نظرًا إلى صعوبة حصر آثاره، وامتداده إلى مساحات واسعة، وبقائه فاعلًا مدّة طويلة من الزمن ملحقًا أضرارًا بالمدنيين والأعيان المدنية.

وعليه، إنّ استخدام سلاح الفوسفور الأبيض لضرب أهداف عسكرية مشروعة لا يجعل منه سلاحًا مشروعًا، كونه يسبّب أضرارًا للمدنيين والأعيان المدنية تفوق الميزة العسكرية المرجوة من هذا الاستخدام.

ب- مبدأ الآلام المفرطة أو المعاناة غير الضرورية

حظّر القانون الدولي الإنساني في العديد من مواده، من استخدام الأسلحة التي تسبّب آلامًا لا مبرّر لها، ومنها المادة (35 فقرة 2) من البروتوكول الإضافي الأوّل للعام 1977، التي حظرت استخدام الأسلحة والقذائف ووسائل القتال، التي من شأنها إحداث إصابات أو آلام لا مبرّر لها.

يقوم مبدأ الآلام التي لا مبرر لها أو المعاناة غير الضرورية، على التوازن بين الضرورة العسكرية من جهة، وبين الاعتبارات الإنسانية من جهة ثانية، بحيث لا تطغى الأولى على الثانية، وإلّا اعتبرت الآلام لا ضرورة لها. فالضرورة العسكرية تتطلّب استخدام القوّة بالقدر الكافي، لتحقيق التفوق العسكري، أمّا الاعتبارات الإنسانية، توجب أن يتم تحقيق هذه الميزة، بأقل الخسائر في الأرواح والممتلكات.

والسؤال الذي يطرح هنا، هل يؤدي استخدام سلاح الفوسفور الأبيض إلى إحداث آلام لا مبرّر لها أو معاناة غير ضرورية؟

أشار الكاتب فيدلر Fidler إلى أنّ مبدأ حظر استخدام الأسلحة التي تسبب آلامًا لا مبرّر لها أو معاناة غير ضرورية، يطبّق على سلاح الفوسفور الأبيض إذا استخدم لأهداف محدّدة كالقتل أو جرح المقاتلين الأعداء، بمعنى أن يكون الهدف الأساسي من استخدام السلاح القتل أو الجرح، وبالتالي التسبّب بمعاناة لا داعي لها.

إلّا أنّنا لا نوافق على هذا الرأي، لأنّ المادة (35 فقرة 2) من البروتوكول الإضافي الأوّل للعام 1977، لم تشترط أن يكون السلاح قد صُمّم أساسًا من أجل إحداث آلام أو معاناة غير ضرورية، وبالتالي حتى لو كانت هذه الآثار التي يسبّبها السلاح عرضية فاستخدامه ينتهك هذا المبدأ. ولمّا كان سلاح الفوسفور الأبيض يتسبّب بإحداث حروق بالغة وشديدة تذيب الجلد وتلحق أضرارًا بالكلى والكبد، لذلك فهو يسبب آلامًا لا مبرّر لها.

وإذا كان سلاح الفوسفور الأبيض يسبب آلامًا لا مبرّر لها، فهل تبرّر الضرورة العسكرية استخدامه؟

إنّ استخدام سلاح الفوسفور الأبيض كضرورة عسكرية، يمثّل انتهاكًا للمبادئ التي تضمنها القانون الدولي الإنساني، ومنها إعلان سان بطرسبرغ للعام 1868 الذي نصّ على أنّ "ضرورات الحرب يجب أن تخضع لمتطلبات الإنسانية". وينتهك كذلك المادة (22) من لائحة لاهاي للعام 1907 التي تقيّد حقّ المتحاربين في اختيار الأسلحة، والمادة (23) التي تحظر استخدام السم والأسلحة السامة، بالإضافة إلى المادة (35) من البروتوكول الإضافي الأوّل للعام 1977 التي حظرت استخدام الأسلحة التي تعتبر عشوائية الأثر وتسبّب آلامًا لا مبرّر لها. ومن جهة أخرى، فإنّ استخدام سلاح الفوسفور الأبيض يؤدّي إلى إسقاط 116 شظية مغلّفة بالفوسفور، وتنتشر هذه الشظايا على مساحة بعيدة متجاوزة الأهداف العسكرية المشروعة، ويؤدّي الفوسفور إلى إصابات جسيمة ومميتة حين يلامس الجلد، أو لدى استنشاقه، أو ابتلاعه بسبب خصائصه الكيميائية السامة. وإذا كانت الضرورة العسكرية تشترط لاستخدام سلاح معيّن عدم وجود سلاح آخر بديل، يحقّق الهدف نفسه المتوخى من الحرب، ولكن من دون أن يحدث أضرارًا، كالتي يسببها السلاح الأوّل، فمن غير المقبول التذرع بعدم وجود سلاح آخر بديل عن الفوسفور الأبيض، خصوصًا في ظل التطوّر الحاصل في مجال صناعة الأسلحة. فإذا كان سلاح الفوسفور الأبيض يستعمل كمادة للتمويه، فإنّه يمكن الاستعاضة عنه بمقذوفات الدخان عيار 100 ملم، التي تحدث أثرًا تمويهيًا موازيًا من دون الآثار المحرقة أو المدمّرة، التي يخلّفها الفوسفور الأبيض. كما أنّ الستار الدخاني المتولّد عن القذائف الدخانية، يمكن أن ينتشر على مساحة أكبر من مساحة انتشار الفوسفور الأبيض.

ج- حظر السم أو الأسلحة السامة

حظّر القانون الدولي الإنساني استخدام السم، أو الأسلحة السامة، وذلك في المادة 23 (أ) من لائحة لاهاي المتعلّقة بقوانين الحرب البرية وأعرافها للعام 1907. ثم جاء بروتوكول جنيف للعام 1925 ليعتبر الغازات السامة وكل ما شابهها من مواد سائلة أو معدّات في الحرب هو أمر محظور.

فهل يُعد تعريف السم الوارد في بروتوكول جنيف للعام 1925 شاملًا سلاح الفوسفور الأبيض؟

يُعرف السم بأنّه مادّة تضرّ الصحة بمفعولها الذاتي، وذلك باتصالها بالجسم أو امتصاصه لها. وعرّف قاموس أكسفورد الإنجليزي السم بأنّه "أي مادة تهلك الحياة أو تضر بالصحة، إن دخلت إلى جسم حي أو امتصّها ذلك الجسم".

وبالنسبة إلى سلاح الفوسفور الأبيض، فإنّ غاز خامس أكسيد الفوسفور الذي ينتج عن احتكاك هذا السلاح مع الأوكسجين هو سام، يحدث أضرارًا بالحنجرة والرئتين والقلب والعينين، وخللًا في الجهاز التنفسي وحروقًا خطيرة. كما أنّ تفاعل الفوسفور الأبيض مع القلويات، يفرز غاز الفوسفين السام الذي يسبّب تهيج القصبة الهوائية، آلام الصدر، الضيق التنفسي، الكحة، القيء، الإسهال، آلام العضلات، الصداع، الدوخة، فشل الرئة، فشل قلبي، فشل الكبد والكلى ثمّ الوفاة. أمّا التعرّض المستمر له في نسب منخفضة وقليلة، فيسبّب فقر الدم، التهاب القصبة الهوائية، مشاكل الجهاز الهضمي، ومشاكل في الرؤيا.

وبناءً لما تقدّم، يمكن القول بأنّ الغاز الذي يصدر عند استخدام سلاح الفوسفور الأبيض هو سام.

د- تحريم الضرر البيئي

حظّر القانون الدولي الإنساني في المواد(35 فقرة 3) و(55) من البروتوكول الإضافي الأوّل للعام 1977، استخدام أساليب ووسائل القتال التي تلحق بالبيئة الطبيعية أضرارًا بالغة واسعة الانتشار وطويلة الأمد.


واستخدام سلاح الفوسفور الأبيض يسبّب تلوّثًا بالماء والتربة والهواء، فعند احتكاك الفوسفور الأبيض بالهواء، فإنّه يتفاعل بسرعة مع الأوكسجين وينتج مواد كيميائية سامة. وبفعل الحرارة العالية التي تتولّد عند تعرّضه للهواء، فإنّه يحرق الأشجار والغابات فتصبح الأراضي قاحلة، كما يؤدي استخدام الفوسفور الأبيض إلى تدمير النظام البيئي الطبيعي من حيوانات ونباتات.

gettyimages-1283897817-2048x2048.jpg

الوكالة الأذربيجانية لمكافحة الألغام (ANAMA) تقوم بتفجير قذائف مدفعية تحتوي على فسفور أبيض أطلقتها القوات الأرمينية - 2020/11/4


ثالثًا: استخدام سلاح الفوسفور الأبيض في الحروب

للفوسفور الأبيض استخدامات عسكرية وغير عسكرية. فهو يُستخدم في الأسمدة والمضافات الغذائية ومركبات التنظيف، وفي المبيدات الحشرية والألعاب النارية. وقديمًا كان يستخدم في صناعة أعواد الثقاب، غير أنّه تمّ ايقاف هذا الاستخدام نظرًا للآثار الجانبية الخطيرة التي يتسبّب بها.

أمّا على الصعيد العسكري، فهو يستخدم كعامل حارق وكباعث لساتر دخاني، وكمركب كيميائي مضاد للأفراد قادر على إحداث حروق شديدة. ويمكن استخدامه أيضًا في عمليات التمويه وإخفاء تحركات الجنود على أرض المعركة، لأنّه عند اطلاقه في الجو، يحدث سحابة كبيرة من الأبخرة البيضاء التي تحجب الرؤية، كما إنّ إلقاء هذه القنابل على الجنود مباشرة يسبّب بينهم الارباك والخوف وأضرارًا جسدية بالغة.

ــ لقد استعمل هذا السلاح لأول مرة في القرن 19 من قبل من كانوا يعرفون بالوطنيين الأيرلنديين، وكان على شكل محلول عندما يتبخر يشتعل ويخلف حريقا ودخانا، ثم استعمله بعد ذلك في أستراليا عمال موسميون غاضبون.

ــ في نهاية عام 1916 صنعت بريطانيا أولى القنابل الفوسفورية، وفي الحرب العالمية الثانية استخدمت القوات الأميركية وقوات دول الكومنولثالفوسفور الأبيض بكثافة، كما استعمله اليابانيون بنسب أقل.

ــ قبل الحرب العالمية الثانية كان مصنعو القنابل الحارقة يستعملون فيها المغنيزيوم لإشعال خليطها، لكنهم أثناء الحرب وبعدها أصبحوا يستعملون فيها الفوسفور لسرعة اشتعاله وانفجاره بمجرد الاحتكاك مع الهواء.

ــ هذا واستخدم سلاح الفوسفور الأبيض كوسيلة حرب خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وفي أثناء الحرب الكورية (1950-1953). أمّا خلال حرب فيتنام (1955-1975) لجأت القوات الأميركية إلى استخدام هذا السلاح بشكل مكثّف. وكذلك اتهم الجيش الروسي باستخدامه ضد المقاتلين الشيشان في منتصف التسعينيات من القرن الماضي.

ــ وفي أثناء حرب الخليج الأولى وردت تقارير حول استخدام النظام العراقي السابق، بواسطة قوات علي حسن المجيد (علي الكيميائي)، الفوسفور الأبيض في مدينة الناصرية في شباط من العام 1994، وذلك بهدف إحراق منازل المدنيين. وفي الحرب البوسنية (1992-1995) اتُهمت القوات الصربية بإلقاء الفوسفور الأبيض على المدنيين في مدينة سراييفو.


ــ غير أنّ القرن الحادي والعشرين شهد استخدامًا مكثفًا لهذا السلاح في الحروب والنزاعات.
وتحدثت تقارير إعلامية عن أن القوات الأميركية استخدمتها كذلك في هجومها على مدينة الفلوجة العراقية في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2004، وكشف عن هذه المعلومات شريط وثائقي عرضته قناة إيطالية أورد صورا لضحايا معركة الفلوجة وشهادات لجنود أميركيين تثبت استخدام القوات الأميركية هذا السلاح الحارق. وفي العام 2007 اتّهم مراقبو الأمم المتحدة أثيوبيا باستخدام الفوسفور الأبيض ضدّ المتمردين والمدنيين في الصومال.

ــ وفي العام 2009، قامت قوات التحالف باستخدام الفوسفور الأبيض في أفغانستان. وبالمقابل اتهمت الولايات المتحدة الأميركية حركة طالبان بالاستخدام غير المشروع للفوسفور الأبيض. ومن جهة أخرى، ورد في بعض التقارير أنّه في العام 2011، قامت قوات التحالف بإلقاء الفوسفور الأبيض على عدّة مدن ليبية.

ــ وفي العام 2014، اتّهمت روسيا، أوكرانيا باستخدام الفوسفور الأبيض في أثناء قصفها المناطق السكنية في سلافيانسك جنوب شرق البلاد، وهو ما نفته أوكرانيا. وفي العام 2017، اعترف التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية باستخدام الفوسفور الأبيض ضدّ تنظيم "داعش" الإرهابي في الموصل (العراق) والرقة (سوريا). ومن جانب القوات الإسرائيلية في أثناء عدوانها على لبنان عام 2006، وعلى فلسطين أعوام 2009، 2012، و2014.

a7fb1946eb311d14a55485e1f4a31527.jpg



الخاتمة

قد يتساءل أي منّا عن السبب في عدم حظر استخدام سلاح الفوسفور الأبيض حتى الآن، مع الإشارة إلى أنّ عملية الحظر، من الناحية القانونية، ليست معقّدة، إذ توجد عدّة طرق لذلك:

الطريقة الأولى: تعديل بروتوكول الأسلحة الحارقة للعام 1980، أو إضافة بروتوكول جديد على اتفاقية الأسلحة التقليدية للعام 1980، يحظر استخدام سلاح الفوسفور الأبيض، وذلك استنادًا إلى المادة (8) من اتفاقية الأسلحة التقليدية للعام 1980، التي أجازت لأي طرف أن يقترح تعديلات على هذه الاتفاقية، أو أي بروتوكول مرفق بها يكون ملزمًا به، كما سمحت باقتراح بروتوكولات إضافية تتّصل بأنواع أخرى من الأسلحة التقليدية التي لم تشملها البروتوكولات المرفقة. وفيما خصّ تعديل بروتوكول الأسلحة الحارقة، فيكون ذلك عبر تعديل تعريف الأسلحة الحارقة الوارد فيه، بحيث يعتمد على خصائص السلاح لا على الهدف من استخدامه. إلّا أنّ المشكلة التي يمكن أن تُثار عبر آلية التعديل هذه هي أن عقد مؤتمر الدول الأطراف للنظر في اقتراح التعديل أو إضافة بروتوكول جديد يتطلب موافقة أغلبية الدول. وقد تضطلع الولايات المتحدة الأميركية بدور كبير في منع إجراء التعديل، أو إضافة بروتوكولات جديدة، وهناك عددٌ من الوقائع التي تدل على ذلك، فمثلًا في أثناء المفاوضات لإبرام اتفاقية الأسلحة التقليدية والبروتوكولات الملحقة بها، انتهجت الولايات المتحدة الأميركية سياسة التباطؤ والتلكؤ فيما يخص المفاوضات التي تجريها سواء أكانت ثنائية أم متعددة الأطراف، ما عدا تلك التي تحقّق مصلحة الأمن القومي الأميركي، وبعيدًا عن التقيّد بأحكام القانون الدولي الإنساني، وهذا ما يفسّر استغراق المفاوضات لإبرام اتفاقية الأسلحة التقليدية ردحًا طويلًا من الزمن، وأيضًا ما يفسّر إخفاق إجماع الدول الأطراف في أثناء المؤتمر الاستعراضي الثالث لاتفاقية الأسلحة التقليدية المنعقد عام 2006، من التوصّل لإبرام بروتوكول إضافي بشأن حظر الذخائر العنقودية.


الطريقة الثانية: إبرام اتفاقية دولية تحظر صراحة استخدام سلاح الفوسفور الأبيض، ويمكن أن يتحقق ذلك عبر اتباع مسار تفاوضي كاتفاقية أوتاوا وأوسلو التفاوضيين.









lebarmy.gov.lb
aljazeera 1
aljazeera 2



 

وشق الشام

التحالف يجمعنا
عضو مميز
إنضم
3/2/21
المشاركات
2,298
التفاعلات
7,241

استخدام الفوسفور الأبيض المحرم دولياً على غزة​

صور ضحاياه مروعة (يذيب أجسادهم) !!

 
التعديل الأخير:

BIG BOSS V

التحالف يجمعنا
طاقم الإدارة
مشرف
إنضم
1/4/19
المشاركات
7,134
التفاعلات
27,679
بسم الله الرحمن الرحيم
1442/11/7 - 2021/6/17
مشاهدة المرفق 79419


لقد كثر في الآونة الأخيرة استخدام سلاح الفوسفور الأبيض في الحروب والنزاعات المسلحة، ولا سيّما تلك الدائرة في منطقة الشرق الأوسط. وفي كل نزاع يُستعمل فيه هذا السلاح تبدأ الأبحاث والدراسات التي تتمحور حول الآثار الصحية والبيئية له. وغالبًا ما يتذرّع مستعملو هذا السلاح ومصنّعوه بشرعيته بسبب غياب اتفاقية دولية تحظّره صراحة. وفي المقابل تنادي الدول المستخدم ضدها بعدم شرعيته ومخالفته لأحكام القانون الدولي.

وإزاء الرأيين المتقدمين، بين مؤيد لاستخدام سلاح الفوسفور الأبيض ومعارض له، تبرز مشكلة قانونية، مفادها هل أن عدم وجود اتفاقية دولية تحظر سلاح الفوسفور الأبيض يشكل مبرراً لاستخدامه في الحروب والنزاعات وتجعله مشروعاً؟ يُعدُّ محظورًا طبقًا لقواعد العرف الدولي ولا سيّما قواعد القانون أم أنّه الدولي الإنساني؟ وهل يعتبر سلاح الفوسفور الأبيض سلاحًا كيميائيًا محظرًا استخدامه بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية لعام 1993؟ أم هو من الأسلحة المحرقة المحظورة بموجب بروتوكول الأسلحة الحارقة للعام 1980؟


أوّلًا: سلاح الفوسفور الأبيض تعريفه وآثاره

لا يّعد سلاح الفوسفور الأبيض من الأسلحة الحديثة، فقد استخدم منذ مئات السنين، إلّا أنّ تغيّر أهداف الحرب من هزيمة العدو إلى ارتكاب المجازر الجماعية بحق المدنيين، سبّب هذا الاستعمال المتزايد لهذا السلاح، نظرًا لما يتمتّع به من خصائص تميّزه عن باقي أنواع الأسلحة. وللوقوف على خطورة سلاح الفوسفور الأبيض، سنتطرق إلى تعريفه لنرى كيف يؤثر على صحة الإنسان وبيئته.



1- تعريف سلاح الفوسفور الأبيض

إنّ سلاح الفوسفور الأبيض هو عبارة عن سلاح يعمل عبر امتزاج الفوسفور الأبيض فيه مع الأوكسجين. والفوسفور الأبيض هو أحد الأشكال المتآصلة للعنصر الكيميائي الفوسفور. والفوسفور هو عنصر كيميائي في الجدول الدوري، رمزه الكيميائي P وعدده الذري 15. ويعتبر الفوسفور من العناصر الرئيسة في المواد الغذائية، يعمل على بناء العظام وتكوينها. وللفوسفور ثلاثة أشكال تآصيلية هي: الفوسفور الأبيض والفوسفور الأحمر والفوسفور الأسود.

اُكتشف الفوسفور العام 1669، بواسطة العالم الألماني هينغ براند Hening Brand في أثناء بحثه عن حجر الفلاسفة، وحُضر حينها من البول وأسماه براند (فوسفورس) نسبة إلى الكلمة اليونانية التي تعني حامل الضوء، فكلمة Phos تعني الضوء وPhorus تعني حامل.

والفوسفور الأبيض هو عبارة عن مادة سامة وخطيرة له رائحة تشبه رائحة الثوم، ويكون لونه أبيض إذا كان بالشكل النقي، وذا لون أصفر إذا كان منتجًا مصنعًا بسبب امتزاجه مع المركبات الكيميائية، ولذلك فهو يسمّى بالفوسفور الأصفر، ويكون شديد الاشتعال يحترق بمجرد تعرضه للأوكسجين منتجًا نارًا أبيض كثيفًا.

عندما يتعرّض الفوسفور الأبيض للهواء، يتحوّل بسرعة كبيرة إلى خامس أكسيد الفوسفور، ويولد هذا التفاعل الكيميائي حرارة كبيرة مع دخان أبيض كثيف. وبسبب هذا الدخان واللهب المضيء، غالبًا ما تتذرّع الدول بأنّها تستعمل سلاح الفوسفور الأبيض في حروبها، بهدف إخفاء حركات الجنود أو للإضاءة أو كساتر دخاني.


مشاهدة المرفق 79426
صورة لذخيرة الفوسفور الأبيض خلال جلسة إحاطة قدمها رئيس القسم في الوكالة الوطنية الأذربيجانية لمكافحة الألغام (ANAMA) - 2020/10/10


2- آثار استخدام سلاح الفوسفور الأبيض

عند استخدام سلاح الفوسفور الأبيض ينتج دخان أبيض كثيف، ومن الطبيعي أن يستنشق الجنود والمدنيّون معًا هذا الدخان، ولكن هل يُلحق هذا السلاح ضررًا بصحة الإنسان وبالبيئة؟


أ - آثار استخدام سلاح الفوسفور الأبيض على الصحة

يدخل الفوسفور الأبيض إلى جسم الإنسان إمّا من خلال جزيئات الفوسفور، أو عبر استنشاق الدخان الذي ينتج عند احتكاك الفوسفور بالهواء. فالفوسفور الأبيض عندما يتعرّض للهواء، يشتعل ويتأكسد بشكل سريع ويتحول إلى خامس أكسيد الفوسفور. ويولّد هذا التفاعل الكيميائي حرارة كبيرة على شكل لهب مضيء مع دخان أبيض كثيف. ويبقى الفوسفور الأبيض يشتعل ويحترق حتى درجة 1500 فهرنهايت (816 درجة مئوية) حيث لا يبقى منه أي شيء، أو حتى ينتهي ما حوله من الأوكسجين. يُعدّ سلاح الفوسفور الأبيض سلاحًا حارقًا وكيميائيًا، يسبّب عندما يلامس الجلد، أو لدى استنشاقه أو ابتلاعه، جروحاً خطيرة للأشخاص ويؤدي إلى الوفاة أحيانًا.

فعندما يلامس الفوسفور الأبيض الجلد، يؤدي إلى حروق كثيفة ومؤلمة، من الدرجتين الثانية والثالثة، وأحيانًا ما تصل الحروق إلى العظام. ويمكن للماء أن يوقف الحروق مؤقتًا، ولكن مخاطر إعادة اشتعال الفوسفور الأبيض كثيرة، لأن جسيمات الفوسفور الأبيض المتبقية، ستشتعل مجددًا عندما تتعرض للأوكسجين.

ويمكن أن يعاني ضحايا الحروق التي يسبّبها الفوسفور الأبيض أضرارًا في الكلى والكبد والقلب. وهذا ما توصّل إليه التقرير الذي أصدرته "وزارة الصحة لدى العدو الإسرائيلي" في أثناء الحرب على غزة في العام 2009، إذ ورد فيه "إنّ الدراسات أظهرت أنّ الحروق التي تغطي نسبة قليلة من الجسد نحو 12 إلى 15 في المئة من الجسم في حيوانات التجارب، وأقل من 10 في المئة في البشر يمكن أن تكون قاتلة بسبب آثارها على الكبد والقلب والكليتين. وبالإضافة إلى وجود آثار أخرى منها النقص الحاد في الكالسيوم والتأخر في التئام الجروح والحروق.

ما يميّز سلاح الفوسفور الأبيض عن غيره من الأسلحة الدخان الأبيض الكثيف الذي ينتج عند اشتعاله في الهواء. هذا الدخان يتكوّن من جزيئات خامس أوكسيد الفوسفور الذي بدوره يتفاعل مع الرطوبة في الهواء أو الجسم ليكوّن حامض الفوسفوريك. أمّا الآثار التي يتركها حامض الفوسفوريك، فهي تتوقّف على مدّة التعرّض له، والمقدار الذي يدخل إلى الجسم.

يؤدي استنشاق الدخان الصادر عن الفوسفور الأبيض، أو التعرض المزمن للهواء الملوث بالفوسفور ، إلى السعال وظهور اصابات وتشوهات في عظام الفك، والتي تعرف بحالة Phassy Jaw، ويترافق ذلك مع صعوبة في التئام الجروح وتكسّر في عظام الفك. وتنشأ أكياس صديدية (تحوي القيح) في تلك المنطقة بسبب تفاعل الفوسفور مع البكتيريا الموجودة في الفم، الأمر الذي قد ينتهي بالموت في بعض الحالات بسبب نفاذ الالتهاب إلى مجرى الدم، كما وقد يؤدي استنشاق الفوسفور الأبيض إلى تلف الأوعية الدموية في الفم، وأضرار خطيرة في الرئة والحنجرة.

وتعتبر العينان أكثر مناطق جسم الإنسان تأثرًا بهذه المادة، حيث يؤدي استنشاق الدخان إلى تهيّج العينين، وتهيّج الأغشية المخاطية، والتدميع المتواصل، ويمكن أن يؤدي إلى فقدان البصر نتيجة تمزّق القرنية. أمّا ابتلاع الفوسفور الأبيض بشكل منتظم، فيؤدي إلى تدهّن الكبد مع علامات وعوارض فشل الكبد الحاد.

وفي ما يتعلّق بتأثير سلاح الفوسفور الأبيض على ظهور الأورام السرطانية والتشوّهات الخلقية والإصابة بالعقم، فقد قرّرت وكالة حماية البيئة الأميركية أن الفوسفور الأبيض غير قابل للتصنيف باعتباره عنصرًا يسبّب السرطان للكائنات البشرية. ولكن إذا تتبعنا الأبحاث والدراسات التي أجريت لهذا الغرض، بعد انتهاء الحروب التي شنّت على فلسطين والعراق، نرى أنّ جميعها أكّدت وجود علاقة بين استخدام سلاح الفوسفور الأبيض وظهور الأورام السرطانية والتشوهات الخلقية والعقم.


ب - آثار استخدام سلاح الفوسفور الأبيض على البيئة

لا تقتصر مخاطر سلاح الفوسفور الأبيض على الحرق والقتل اللذين يطالان ضحاياه، بل يمتد تأثيرها إلى البيئة المحيطة، فتسبب تلوث الماء والتربة بعد أن تكون قد لوّثت الهواء بالدخان الذي ينتج عن اشتعال الفوسفور الأبيض فور اتصاله بالهواء، وما ينتج عن ذلك من نوبات سعال شديدة بين الأفراد تكون مصحوبة بتهيج في الجلد والفم والحلق والعيون.

يلوّث الفوسفور الأبيض البيئة عند تصنيعه، أو عند استخدامه لصنع المواد الكيميائية الأخرى، أو عندما يستخدم كسلاح عسكري، أو عند تسرّبه في أثناء التخزين والنقل. فعند تسرب الفوسفور الأبيض في الهواء، يتفاعل بسرعة مع الأوكسجين وينتج عن هذه العملية مواد كيميائية سامة.

وبحسب وكالة حماية البيئة الأميركية فإن الفوسفور الأبيض يتفاعل بشكل رئيسي، في البيئة المائية، مع جزيئات الأوكسجين الموجودة فيها، أو قد يبقى على حاله فترة زمنية تصل إلى عدّة أيام من دون تفاعل، ليزيد ذلك من فرصة وصوله إلى أجسام الأسماك التي تعيش في تلك المياه، ممّا قد يتسبّب بموتها. كما ويهدّد ذلك صحة الأفراد الذين يعتمدون على تلك المياه لأغراض الشرب، أو أكل الأسماك الملوثة. أمّا في ما يختص بالمياه التي تنخفض فيها مستويات الأوكسجين كالمياه الجوفية وقيعان الأنهار، فإنّ مركب الفوسفور الأبيض يبقى فيها من دون أن يتفاعل مع الجزيئات الأخرى، وذلك لفترة قد تمتد لآلاف السنين، أو قد يتحلّل إلى غاز شديد السمية يعرف بالفوسفين.

وتشير التقارير إلى أنّ بعض جزيئات الفوسفور الأبيض لا تتفاعل مع الأوكسجين، بل تصبح محاطة بغطاء يحول دون تفاعلها مع الهواء، ولفترة زمنية طويلة، فتستقر في المياه الجوفية أو الطبقات العميقة من التربة بضع سنوات.

كما يُلحق الفوسفور الأبيض أضرارًا بالأشجار بفعل الحرارة العالية التي تتولّد عند تعرّض هذه المادة للهواء، ممّا يؤدي إلى إحراق الأشجار والغابات التي تعتبر أهم وسيلة لامتصاص ثاني أوكسيد الكربون وتخزينه، وانبعاث غازات أول وثاني أكسيد الكربون وغيرها من الغازات المسبّبة لظاهرة الاحتباس الحراري في الجو نتيجة الحرق. كما يؤدي استخدام سلاح الفوسفور الأبيض إلى تدمير النظام البيئي الطبيعي من حيوانات ونباتات، وتلويث المنتوجات الزراعية التي يتم فيما بعد تناولها عن طريق السلسلة الغذائية.

ثانيًا: النظام القانوني لاستخدام سلاح الفوسفور الأبيض في القانون الدولي العام


يُعد استخدام سلاح الفوسفور الأبيض محظوراً في القانون الدولي عبر طريقتين: الأولى إذا وجدت اتفاقية تحظر استخدامه صراحة، والثانية إذا كان الاستخدام ينتهك مبادئ الحرب وقوانينها وأعرافها، والتي تشمل جميع المعاهدات التي تحكم سير العمليات العسكرية والأسلحة وحماية ضحايا النزاعات المسلحة، بالإضافة إلى القواعد العرفية التي لها علاقة بهذه المواضيع.

مشاهدة المرفق 79421
مشاهدة المرفق 79420
لحظة سقوط ذخيرة الفسفور الأبيض على المدنيين في قطاع غزة - حرب 2008/2009


1- سلاح الفوسفور الأبيض في ضوء الاتفاقيات الدولية

يخلو القانون الدولي من اتفاقية تحظر صراحة استخدام سلاح الفوسفور الأبيض. إلّا أنّه مع ذلك هناك اتفاقيات معينة يمكن تطبيقها على هذا السلاح. ويتم ذلك من خلال تشابه الآثار التي يحدثها هذا السلاح مع تلك الخاصة بالأسلحة المحظورة بموجب الاتفاقيات الدولية. كما ويكون ذلك من خلال استعمال أسلوب الاستقراء واتباع القياس المنطقي.

وبما أنّ سلاح الفوسفور الأبيض عبارة عن مادة كيميائية سامة، يسبّب عندما يلامسها الجلد حروقًا كثيفة ومؤلمة، فهو بذلك أقرب إلى الأسلحة الكيميائية والأسلحة الحارقة. وقد حظر القانون الدولي استخدام الأسلحة الكيميائية من خلال إتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية للعام 1993، كما نظّم استخدام الأسلحة الحارقة من خلال البروتوكول الخاص بالأسلحة الحارقة الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية للعام 1980. ولتفاصيل علاقة سلاح الفوسفور الأبيض بالأسلحة الكيميائية والحارقة، سنبحث هذا السلاح في ضوء اتفاقية الأسلحة الكيميائية للعام 1993، وبروتوكول الأسلحة الحارقة للعام 1980.


أ - سلاح الفوسفور الأبيض واتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لعام 1993

حظّرت المادة الأولى من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية استخدام السلاح الكيميائي تحت أي ظرف من الظروف، حتى لو استدعت الضرورة العسكرية ذلك. ولا يقتصر الحظر على استخدام السلاح، بل أيضًا على استحداثه وإنتاجه وتخزينه. فما هو تعريف السلاح الكيميائي المحظر بموجب هذه الاتفاقية؟ وهل أنّ سلاح الفوسفور الأبيض يعتبر سلاحًا كيميائيًا؟ عرّفت المادة (2 فقرة 1) من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية السلاح الكيميائي بأنّه:

(أ) المواد الكيميائية السامة وسلائفها، باستثناء المواد المعدّة منها لأغراض غير محظورة بموجب هذه الاتفاقية ما دامت الأنواع والكميات متفقة مع هذه الأغراض.

(ب) الذخائر والنبائط المصممة خصيصًا لإحداث الوفاة أو غيرها من الأضرار عن طريق ما ينبعث نتيجة استخدام مثل هذه الذخائر والنبائط من الخواص السامة للمواد الكيميائية السامة المحددة في الفقرة الفرعية (أ).

(ج) أي معدات مصمّمة خصيصًا لاستعمال يتعلق مباشرة باستخدام مثل هذه الذخائر والنبائط المحددة في الفقرة الفرعية (ب).

وبناءً لهذا التعريف أدرجت الاتفاقية ثلاث جداول بالمواد الكيميائية السامة وسلائفها، ولكنها لم تشر إلى الفوسفور الأبيض كمادة كيميائية سامة، فهل يعني ذلك أنّها لا تعتبر سلاحًا كيميائيًا؟

يرى البعض أنّ سلاح الفوسفور الأبيض لا ينطبق عليه وصف السلاح الكيميائي الوارد في الاتفاقية. غير أنّ نظرة فاحصة على هذا التعريف تشير إلى أنّ سلاح الفوسفور الأبيض يلبّي الشرط الذي يتطلّبه البند (أ) من المادة (2 فقرة 1) من اتفاقية الأسلحة الكيميائية، ويستبعد البندين (ب) و(ج) لأنّ سلاح الفوسفور الأبيض لم يصمّم خصيصًا لإحداث الوفاة أو غيرها من الأضرار، بل يستخدم لإخفاء تحركات الجنود أو كباعث وساتر دخاني أو لإضاءة الأهداف.

وعلى الرغم من أنّ الفوسفور الأبيض لا يتوافق والشروط التي يتطلبها البندان (ب) و(ج)، إلّا أنّه يعتبر سلاحًا كيميائيًا كون المادة الثانية من الاتفاقية نصّت صراحة على أن "يقصد بمصطلح الأسلحة الكيميائية ما يلي مجتمعًا أو منفردًا..."، ممّا يعني أنّه يكفي أن يلبّي السلاح أي ظرف من الظروف التي حددها التعريف، والفوسفور الأبيض يستوفي - كما ذكرنا - الشروط التي يتطلّبها البند (أ).

ويثير البند (أ) من المادة (2 فقرة 1) النقاش حول نقطتين:

أولاً: ماهي المواد التي تصنّف على أنّها كيميائية سامة؟

أعطت المادة (2 فقرة 2) من الاتفاقية تعريفًا للمادة الكيميائية السامة بنصّها" أي مادة كيميائية يمكن من خلال مفعولها الكيميائي في العمليات الحيوية أن تحدث وفاة أو عجزًا مؤقتًا أو أضرارًا دائمة للإنسان أو الحيوان...". وبناءً لهذا التعريف، ليس ضروريًا أن تكون درجة السمية للمادة الكيميائية قاتلة، بل يكفي أن تؤدي إلى العجز المؤقت.

وهل أنّ سلاح الفوسفور الأبيض يعتبر مادة كيميائية سامة بحسب التعريف الوارد أعلاه؟

لقد اختلفت الآراء حول اعتبار سلاح الفوسفور الأبيض مادة كيميائية سامة. فالكاتب رومان ريهاني Roman Reyhani لم يعتبره سامًا كون الأضرار التي يحدثها عند اتصاله بالجلد أقرب إلى تلك التي تسبّبها الأسلحة الحارقة. فبحسب رأيه، يحرق الفوسفور الأبيض الجلد من خلال توليد مستويات عالية من الحرارة، وليس كجزء من التفاعل الكيميائي. ولدعم رأيه هذا، أعطى ريهاني Reyhani مثالًا عن ضحايا الهجوم على الفلوجة، الذين كانوا يشتكون من حروق غريبة لم تكن تنطفئ بالماء.

بينما رأى الكاتب تيسيير Tessier أنّ الفوسفور الأبيض يسبب حروقًا كيميائية يمكن أن تؤدي إلى تسمّم الجسم البشري، أو الوفاة في حال عدم المعالجة. أمّا الكاتبان روجرز وماكليد Rogers and Macleod، فقد اعتبرا أنّه يمكن تصنيف الفوسفور الأبيض على أنّه مادة كيميائية سامة، وبالتالي يدخل ضمن التعريف الوارد في الفقرة (2 من المادة 2)، لأنّ التفاعل الكيميائي الذي ينتج عند استخدام الفوسفور الأبيض يؤدي إلى آثار سلبية على الإنسان والحيوان. واستند الكاتبان في رأيهما إلى الأبحاث التي أجريت على الأفراد الذين تعرّضوا للفوسفور الأبيض، والتي أظهرت أنّ التعرّض لهذا السلاح عن طريق الجلد، يمكن أن يؤدي إلى أضرار في الكلى والكبد. وهذا ما ذهب إليه أيضًا الكاتب سوليSolis ، فعلى الرغم من أنّه لم يعتبر سلاح الفوسفور الأبيض سلاحًا كيميائيًا، إلّا أنّه خلص إلى امتلاك هذا السلاح لخصائص سامة.

لقد أثبتت الدراسات التي أجريت على الفوسفور الأبيض أنّ استنشاقه لمدة قصيرة، يمكن أن يؤدي إلى السعال وتهيج القصبة الهوائية والرئة. أمّا استنشاقه لفترة طويلة، فيسبب جروحًا في الفم وكسر عظمة الفك، ودخوله إلى جسم الإنسان عن طريق الأكل والشرب يمكن أن يحدث أضرارًا بالكلى والكبد، وفي حال ملامسته الجلد يحدث حروقًا خطيرة.

ولما كانت المادة الكيميائية السامة تسبّب العجز أو الوفاة فليس هناك من شك أنّ الفوسفور الأبيض، نظرًا لما يسبّبه من أضرار، يصنّف على أنّه مادة كيميائية سامة.

ثانيًا: وإذا كان الفوسفور الأبيض مادة كيميائية سامة فهل يمكن تصنيفه سلاحًا كيميائيًا؟

لقد اعتبرت المادة (1) من اتفاقية الأسلحة الكيميائية عند تعريفها للسلاح الكيميائي، أنّ الأسلحة الكيميائية هي المواد الكيميائية السامة وسلائفها، باستثناء المواد المعدّة منها لأغراض غير محظورة بموجب هذه الاتفاقية، فما هي الأغراض التي يسمح فيها باستخدام السلاح الكيميائي؟

لقد أشارت المادة (2 فقرة 9) من الاتفاقية إلى المقصود بهذه الأغراض غير المحظورة بموجب الاتفاقية وهي :"(ج) الأغراض العسكرية التي لا تتّصل باستعمال الأسلحة الكيميائية ولا تعتمد على استخدام الخصائص السامة للمواد الكيميائية كوسيلة للحرب".

والسؤال الذي يطرح هنا: هل أنّ الاستخدامات العسكرية لسلاح الفوسفور الأبيض تعتمد على استخدام الخصائص السامة للمواد الكيميائية كوسيلة للحرب؟

رأى كلً من ماكليود وروجرز Macleod and Rogers أنّه على الرغم من أنّ الفوسفور الأبيض يعتبر سلاحًا كيميائيًا كما عرفته اتفاقية الأسلحة الكيميائية، إلّا أنّه ليس محظورًا في أغلب استخداماته كتوفير الإضاءة وإنشاء ساتر دخاني، حتى إنّ استخدامه بهدف إخراج المقاتلين من مخابئهم ليس محظورًا بموجب الاتفاقية، كون هذا الإجراء لا يعتمد على الخصائص السامة للفوسفور الأبيض. وأخذ بهذا الرأي الكاتب سوليز Solis، الذي اعتبر أن المادة 2 (9) (د) من اتفاقية الأسلحة الكيميائية تعني أنّ الاستخدامات الأساسية للفوسفور الأبيض ليست غير قانونية، وتتضمّن إنشاء ساتر دخاني وتوفير الإضاءة واستخدامها لأغراض حارقة. وجادل سوليز Solis بأنّ استخدام الفوسفور الأبيض في الفلوجة هو جائز بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية، لأنّ الفوسفور الأبيض استخدم لأغراض حارقة، وليس لأغراض كيميائية أو سمية.

وهذا ما ذهب إليه أيضًا الكاتب فيدلر Fidler، الذي رأى أنّها إذا كانت ذخائر الفوسفور الأبيض تحتوي على مواد كيميائية، فليس من الضروري اعتبارها أسلحة كيميائية، لأنّ هذه الذخائر تستعمل للإضاءة أو لإنشاء ساتر دخاني، بهدف تغطية المناورات العسكرية، أو تستعمل لأغراض حارقة. وهذه الاستعمالات ليست محظورة بموجب الاتفاقية كأغراض عسكرية استنادًا إلى المادة (2 فقرة 9) منها. وخلص فيدلر Fidler إلى أنّ الولايات المتحدة الأميركية استخدمت سلاح الفوسفور الأبيض في الفلوجة بسبب خصائصه الحارقة، من أجل إخراج المقاتلين من مخابئهم. ولا يعكس هذا الاستعمال النية في قتل المقاتلين عبر تعرضهم للمواد الكيميائية السامة التي تنتج عند استخدام ذخائر الفوسفور الأبيض.

وعلى النقيض من ذلك، اعتبر الكاتبان ريهاني وتسيير أنّ استخدام الفوسفور الأبيض في الفلوجة، اعتمد فعلاً على الخصائص السامة للفوسفور الأبيض.


وعليه، هنا إجماع على أنّ الغاية من استخدام الفوسفور الأبيض هي التي تحدد قانونيته. إن استخدام سلاح الفوسفور الأبيض لإنشاء ساتر دخاني، أو للإضاءة، لا يعتمد على الخاصية السامة للفوسفور الأبيض، وبالتالي لا يعتبر محظورًا بموجب الاتفاقية، والحال كذلك إذا استخدم لإشعال النار بهدف الإشارة إلى الهدف العسكري. أمّا اذا تم الاعتماد على الخاصية السامة للفوسفور الأبيض لقتل أو جرح المحاربين عندها يعتبر غير مشروع.

مشاهدة المرفق 79433
طائرات حربية تابعة للجيش الروسي تشن هجوماً بقنابل الفوسفور الأبيض على قرية كفر حمرة في حلب بسوريا - 2016/6/22


ب - سلاح الفوسفور الأبيض وبروتوكول الأسلحة الحارقة لعام 1980

حظر البروتوكول الثالث الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية للعام 1980 استخدام الأسلحة الحارقة. وعرّف البروتوكول في مادّته الأولى السلاح الحارق بأنّه" أي سلاح أو أي ذخيرة، مصمّم أو مصمّمة في المقام الأول لإشعال النار في الأشياء، أو للتسبّب بحروق للأشخاص بفعل اللهب أو الحرارة أو مزيج من اللهب والحرارة المتولدين عن تفاعل كيميائي لمادة تطلق على الهدف".

وبناءً لهذا التعريف، كي يعتبر السلاح حارقًا، لا يكفي أن يؤدي استخدامه إلى إشعال النار وإحداث حروق للأشخاص، بل يجب أن تكون هذه الآثار الهدف الأساسي من الاستخدام.

وفيما يتعلّق بسلاح الفوسفور الأبيض، فهذا يعني أنّه إذا كان قد صمّم لإنشاء ساتر دخاني أو للإضاءة، فهو بذلك يقع خارج إطار التعريف. وقد أخرج البروتوكول صراحة من نطاقه (أي عدم اعتباره سلاحًا حارقًا) الذخائر التي يمكن أن تكون لها، آثار حارقة، مثل المضيئات، أو القاذفات، أو ناشرات الدخان، أو أجهزة الإشارة.

وعليه، إذا كان الهدف الأساسي من استخدام سلاح الفوسفور الأبيض إحداث حروق للأشخاص وإشعال النار، فإنّه يعتبر سلاحًا حارقًا حسب التعريف الوارد في البروتوكول.

وعليه، إذا كان سلاح الفوسفور الأبيض مصممًا أساسًا بهدف التسبّب بحروق للمدنيين وإشعال النار بالأشياء فيعتبر سلاحًا حارقًا كما عرّفه البروتوكول الثالث. أمّا إذا كان استعماله لغايات عسكرية، فلا يدخل ضمن نطاق التعريف الوارد في البروتوكول، إلّا أنّ ذلك لا يعني شرعية استخدامه، بل تبقى القوات العسكرية ملزمة باحترام مبادئ القانون الدولي العرفي كمبدأ التناسب، ومبدأ حظر الهجمات العشوائية، ومبدأ التسبّب بآلام مفرطة أو معاناة غير ضرورية.

لم يمنع بروتوكول الأسلحة الحارقة استخدام سلاح الفوسفور الأبيض بشكل مطلق، إنّما حظر استخدامه في حالات أربعة هي:

أوّلًا: حظر جعل المدنيين والأعيان المدنية هدفًا للهجوم بالأسلحة الحارقة.

ثانيًا: حظر إطلاق الأسلحة الحارقة من الجو.

ثالثًا: حظر إطلاق الأسلحة الحارقة من الأرض ضدّ العسكريين المتواجدين في منطقة مكتظّة بالسكان، إلّا إذا كان الهدف العسكري واضح الانفصال عن تجمّع المدنيين، وأن تتّخذ الاحتياطات المستطاعة لحماية المدنيين بما يجعل الآثار الحارقة تقتصر على الهدف العسكري ويحول دون إحداث خسائر عرضية في أرواح المدنيين أو إصابات بينهم، أو أضرار بالأعيان المدنية، أو يقلّل في جميع الأحوال من هذه الخسائر.

رابعًا: حظر جعل الغابات والأنواع الأخرى من الغطاء النباتي هدفًا للأسلحة الحارقة، إلّا في حالة استعمال هذه العناصر الطبيعية لتغطية أو إخفاء أو تمويه مقاتلين أو أهداف عسكرية أخرى، أو كانت هي نفسها أهدافًا عسكرية.

وبناء على ما تقدّم، حظّر البروتوكول صراحة استخدام السلاح الحارق ضدّ المدنيين، أو الأعيان المدنية، ولكنّه بالمقابل سمح باستخدامها ضدّ العسكريين بشرط أن تُطلق الذخائر الحارقة من الأرض، وأن تُتخذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين.

إنّ استخدام سلاح الفوسفور الأبيض لغايات عسكرية كإخفاء تحرّكات الجنود أو للإضاءة ليس مطلقًا، بل مقيدًا بمراعاة مبدأ التناسب بين الميزة العسكرية المرجوة من الهجوم وبين الاعتبارات الإنسانية، فإذا رأى مستخدم السلاح أنّ سلاح الفوسفور الأبيض سوف يسبب ضررًا بالمدنيين والأعيان المدنية، تفوق الميزة العسكرية المرجوة، وجب عليه أن يمتنع عن استخدامه.

أمّا إذا كان الهدف من استخدام الفوسفور الأبيض إحداث حروق للأشخاص والتسبب بوفاتهم، عندها يعتبر سلاحًا حارقًا كما عرّفه البروتوكول، ويحظّر توجيهه ضدّ المدنيين أو إطلاقه من الجو. بينما يبقى استخدامه مشروعًا ضد العسكريين، بشرط أن يطلق من الأرض (المدفعية أو السفن)، وأن تُتخذ جميع الاحتياطات المستطاعة لحماية المدنيين في حال تواجد العسكريين بمنطقة مكتظة بالسكان.

2- القواعد العرفية المتعلقة بحظر استخدام سلاح الفوسفور الأبيض

يضم القانون الدولي الإنساني جملة من القواعد التي تحظر استخدام الأسلحة ومن بينها سلاح الفوسفور الأبيض، ومن هذه القواعد:

أ - حظر الأسلحة العشوائية الأثر

تُعرّف الأسلحة العشوائية الأثر بأنها الأسلحة التي لا يمكن توجيهها إلى هدف عسكري، أو التي لا يمكن حصر آثارها على النحو الذي يتطلبه القانون الدولي الإنساني. فهذا الأخير، يحظّر استخدام الأسلحة العشوائية الأثر، كونها تصيب المقاتلين وغير المقاتلين على حد سواء، من دون تمييز فيما بينهم، وتصيب أيضًا الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ولا يمكن السيطرة على آثارها. وقد تجسّد هذا الحظر في المادة (48) من البروتوكول الإضافي الأوّل للعام 1977 التي أوجبت على الأطراف المتعاقدة التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية من دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام السكان المدنيين والأعيان المدنية وحمايتهم. فهل يمكن تأمين "الاحترام" و"الحماية" في حال استخدام سلاح الفوسفور الأبيض؟

عندما يتعرّض الفوسفور الأبيض إلى الهواء، تحدث سلسلة من التفاعلات الكيميائية، فيتفاعل الفوسفور بداية مع الأوكسجين بسرعة كبيرة، ويتحوّل إلى خامس أوكسيد الفوسفور ويولّد هذا التفاعل الكيميائي حرارة كبيرة، مسببًا الحرائق في المنطقة التي ألقي عليها سواء أكانت مناطق مدنية، أو معدات حربية، منتجًا نارًا ودخانًا أبيض كثيفًا، كما ويلحق أضرارًا بالمدنيين سواء عند استنشاقهم إيّاه أو عند ملامسته الجلد. وبالنظر إلى الخصائص الكيميائية السامة والخصائص الحارقة لهذا السلاح، فلا يمكن تأمين حماية المدنيين المشار إليها في المادة (48) من البروتوكول.

وإذا كان القانون الدولي الإنساني يهدف إلى حماية المدنيين في أثناء سير العمليات القتالية، فقد حظر هذا القانون الهجمات العشوائية التي من المتوقّع منها أن تلحق أضرارًا بالمدنيين والأعيان المدنية. وأعطت المادة (51 فقرة 4) من البروتوكول الإضافي الأوّل مفهومًا للهجمات العشوائية بقولها:

تحظر الهجمات العشوائية، وتعتبر هجمات عشوائية:

أ) تلك التي لا توجه إلى هدف عسكري محدد.

ب) أو تلك التي تستخدم طريقة أو وسيلة للقتال لا يمكن أن توجّه إلى هدف عسكري محدد.

ج) أو تلك التي تستخدم طريقة أو وسيلة للقتال لا يمكن حصر آثارها على النحو الذي يتطلّبه هذا الحق "البروتوكول"، ومن ثم فإنّ من شأنها أن تصيب، في كل حالة كهذه، الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين أو الأعين المدنية دون تمييز.


كما أوردت المادة (51 في الفقرة 5) من البروتوكول تعريفًا لنوعين من الهجمات. يعرّف البند الأوّل من الفقرة 5 النوع الأول من الهجمات العشوائية بأنّه "الهجوم قصفًا بالقنابل، أيًا كانت الطرق والوسائل،والذي يعالج عددًا من الأهداف العسكرية الواضحة التباعد والتميّز بعضها عن البعض الآخر، والواقعة في مدينة أو بلدة أو قرية أو منطقة أخرى تضم تمركزًا من المدنيين أو الأعيان المدنية، على أنّها هدف عسكري واحد". أمّا النوع الثاني من الهجوم، فهو الذي من شأنه أن يحدث خسائر مفرطة بين السكان المدنيين، ويعرّفه البند (ب) من المادة (51 فقرة 5) على الشكل الآتي "الهجوم الذي يمكن أن يتوقّع منه أن يسبّب خسارة في أرواح المدنيين أو إصابة بهم أو أضرارًا بالأعيان المدنية، أو أن يُحدث خلطًا من هذه الخسائر والأضرار، يُفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عن هذا الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة". فهل إنّ استخدام سلاح الفوسفور الأبيض يفضي إلى هجمات عشوائية؟

مشاهدة المرفق 79422
استخدم التحالف الدولي الفسفور الأبيض في الموصل إبان الحرب على داعش

اعتبر الكاتب فيدلر fiddler أنّ ذخائر الفوسفور الأبيض ليست عشوائية بطبيعتها لأنّه يمكن توجيهها بدقّة نحو الهدف العسكري، واستخدامها بطريقة تقلّل من الخسائر العرضية في حياة المدنيين وممتلكاتهم.

وبرأينا، إنّ هذا القول غير دقيق، فكل قذيفة فوسفور أبيض تنفجر جوًا تنشر 116 شظية فوسفور أبيض محترقة وتسقط على مساحة تمتد 250 مترًا من نقطة الانفجار. فضلًا عن أنّ الدخان الأبيض الكثيف، الذي يتكوّن نتيجة تفاعل الفوسفور الأبيض مع الأوكسجين، والذي يحتوي على خامس أكسيد الفوسفور، يؤثر في المدنيين والمقاتلين معًا.

وإذا ما عدنا إلى المادة (51 فقرة 4) من البروتوكول الإضافي العام للعام 1977 ، نلحظ أنّ البند (ج) ينطبق بصفة أساسية على سلاح الفوسفور الأبيض، نظرًا إلى صعوبة حصر آثاره، وامتداده إلى مساحات واسعة، وبقائه فاعلًا مدّة طويلة من الزمن ملحقًا أضرارًا بالمدنيين والأعيان المدنية.

وعليه، إنّ استخدام سلاح الفوسفور الأبيض لضرب أهداف عسكرية مشروعة لا يجعل منه سلاحًا مشروعًا، كونه يسبّب أضرارًا للمدنيين والأعيان المدنية تفوق الميزة العسكرية المرجوة من هذا الاستخدام.

ب- مبدأ الآلام المفرطة أو المعاناة غير الضرورية

حظّر القانون الدولي الإنساني في العديد من مواده، من استخدام الأسلحة التي تسبّب آلامًا لا مبرّر لها، ومنها المادة (35 فقرة 2) من البروتوكول الإضافي الأوّل للعام 1977، التي حظرت استخدام الأسلحة والقذائف ووسائل القتال، التي من شأنها إحداث إصابات أو آلام لا مبرّر لها.

يقوم مبدأ الآلام التي لا مبرر لها أو المعاناة غير الضرورية، على التوازن بين الضرورة العسكرية من جهة، وبين الاعتبارات الإنسانية من جهة ثانية، بحيث لا تطغى الأولى على الثانية، وإلّا اعتبرت الآلام لا ضرورة لها. فالضرورة العسكرية تتطلّب استخدام القوّة بالقدر الكافي، لتحقيق التفوق العسكري، أمّا الاعتبارات الإنسانية، توجب أن يتم تحقيق هذه الميزة، بأقل الخسائر في الأرواح والممتلكات.

والسؤال الذي يطرح هنا، هل يؤدي استخدام سلاح الفوسفور الأبيض إلى إحداث آلام لا مبرّر لها أو معاناة غير ضرورية؟

أشار الكاتب فيدلر Fidler إلى أنّ مبدأ حظر استخدام الأسلحة التي تسبب آلامًا لا مبرّر لها أو معاناة غير ضرورية، يطبّق على سلاح الفوسفور الأبيض إذا استخدم لأهداف محدّدة كالقتل أو جرح المقاتلين الأعداء، بمعنى أن يكون الهدف الأساسي من استخدام السلاح القتل أو الجرح، وبالتالي التسبّب بمعاناة لا داعي لها.

إلّا أنّنا لا نوافق على هذا الرأي، لأنّ المادة (35 فقرة 2) من البروتوكول الإضافي الأوّل للعام 1977، لم تشترط أن يكون السلاح قد صُمّم أساسًا من أجل إحداث آلام أو معاناة غير ضرورية، وبالتالي حتى لو كانت هذه الآثار التي يسبّبها السلاح عرضية فاستخدامه ينتهك هذا المبدأ. ولمّا كان سلاح الفوسفور الأبيض يتسبّب بإحداث حروق بالغة وشديدة تذيب الجلد وتلحق أضرارًا بالكلى والكبد، لذلك فهو يسبب آلامًا لا مبرّر لها.

وإذا كان سلاح الفوسفور الأبيض يسبب آلامًا لا مبرّر لها، فهل تبرّر الضرورة العسكرية استخدامه؟

إنّ استخدام سلاح الفوسفور الأبيض كضرورة عسكرية، يمثّل انتهاكًا للمبادئ التي تضمنها القانون الدولي الإنساني، ومنها إعلان سان بطرسبرغ للعام 1868 الذي نصّ على أنّ "ضرورات الحرب يجب أن تخضع لمتطلبات الإنسانية". وينتهك كذلك المادة (22) من لائحة لاهاي للعام 1907 التي تقيّد حقّ المتحاربين في اختيار الأسلحة، والمادة (23) التي تحظر استخدام السم والأسلحة السامة، بالإضافة إلى المادة (35) من البروتوكول الإضافي الأوّل للعام 1977 التي حظرت استخدام الأسلحة التي تعتبر عشوائية الأثر وتسبّب آلامًا لا مبرّر لها. ومن جهة أخرى، فإنّ استخدام سلاح الفوسفور الأبيض يؤدّي إلى إسقاط 116 شظية مغلّفة بالفوسفور، وتنتشر هذه الشظايا على مساحة بعيدة متجاوزة الأهداف العسكرية المشروعة، ويؤدّي الفوسفور إلى إصابات جسيمة ومميتة حين يلامس الجلد، أو لدى استنشاقه، أو ابتلاعه بسبب خصائصه الكيميائية السامة. وإذا كانت الضرورة العسكرية تشترط لاستخدام سلاح معيّن عدم وجود سلاح آخر بديل، يحقّق الهدف نفسه المتوخى من الحرب، ولكن من دون أن يحدث أضرارًا، كالتي يسببها السلاح الأوّل، فمن غير المقبول التذرع بعدم وجود سلاح آخر بديل عن الفوسفور الأبيض، خصوصًا في ظل التطوّر الحاصل في مجال صناعة الأسلحة. فإذا كان سلاح الفوسفور الأبيض يستعمل كمادة للتمويه، فإنّه يمكن الاستعاضة عنه بمقذوفات الدخان عيار 100 ملم، التي تحدث أثرًا تمويهيًا موازيًا من دون الآثار المحرقة أو المدمّرة، التي يخلّفها الفوسفور الأبيض. كما أنّ الستار الدخاني المتولّد عن القذائف الدخانية، يمكن أن ينتشر على مساحة أكبر من مساحة انتشار الفوسفور الأبيض.

ج- حظر السم أو الأسلحة السامة

حظّر القانون الدولي الإنساني استخدام السم، أو الأسلحة السامة، وذلك في المادة 23 (أ) من لائحة لاهاي المتعلّقة بقوانين الحرب البرية وأعرافها للعام 1907. ثم جاء بروتوكول جنيف للعام 1925 ليعتبر الغازات السامة وكل ما شابهها من مواد سائلة أو معدّات في الحرب هو أمر محظور.

فهل يُعد تعريف السم الوارد في بروتوكول جنيف للعام 1925 شاملًا سلاح الفوسفور الأبيض؟

يُعرف السم بأنّه مادّة تضرّ الصحة بمفعولها الذاتي، وذلك باتصالها بالجسم أو امتصاصه لها. وعرّف قاموس أكسفورد الإنجليزي السم بأنّه "أي مادة تهلك الحياة أو تضر بالصحة، إن دخلت إلى جسم حي أو امتصّها ذلك الجسم".

وبالنسبة إلى سلاح الفوسفور الأبيض، فإنّ غاز خامس أكسيد الفوسفور الذي ينتج عن احتكاك هذا السلاح مع الأوكسجين هو سام، يحدث أضرارًا بالحنجرة والرئتين والقلب والعينين، وخللًا في الجهاز التنفسي وحروقًا خطيرة. كما أنّ تفاعل الفوسفور الأبيض مع القلويات، يفرز غاز الفوسفين السام الذي يسبّب تهيج القصبة الهوائية، آلام الصدر، الضيق التنفسي، الكحة، القيء، الإسهال، آلام العضلات، الصداع، الدوخة، فشل الرئة، فشل قلبي، فشل الكبد والكلى ثمّ الوفاة. أمّا التعرّض المستمر له في نسب منخفضة وقليلة، فيسبّب فقر الدم، التهاب القصبة الهوائية، مشاكل الجهاز الهضمي، ومشاكل في الرؤيا.

وبناءً لما تقدّم، يمكن القول بأنّ الغاز الذي يصدر عند استخدام سلاح الفوسفور الأبيض هو سام.

د- تحريم الضرر البيئي

حظّر القانون الدولي الإنساني في المواد(35 فقرة 3) و(55) من البروتوكول الإضافي الأوّل للعام 1977، استخدام أساليب ووسائل القتال التي تلحق بالبيئة الطبيعية أضرارًا بالغة واسعة الانتشار وطويلة الأمد.


واستخدام سلاح الفوسفور الأبيض يسبّب تلوّثًا بالماء والتربة والهواء، فعند احتكاك الفوسفور الأبيض بالهواء، فإنّه يتفاعل بسرعة مع الأوكسجين وينتج مواد كيميائية سامة. وبفعل الحرارة العالية التي تتولّد عند تعرّضه للهواء، فإنّه يحرق الأشجار والغابات فتصبح الأراضي قاحلة، كما يؤدي استخدام الفوسفور الأبيض إلى تدمير النظام البيئي الطبيعي من حيوانات ونباتات.

مشاهدة المرفق 79423
الوكالة الأذربيجانية لمكافحة الألغام (ANAMA) تقوم بتفجير قذائف مدفعية تحتوي على فسفور أبيض أطلقتها القوات الأرمينية - 2020/11/4


ثالثًا: استخدام سلاح الفوسفور الأبيض في الحروب

للفوسفور الأبيض استخدامات عسكرية وغير عسكرية. فهو يُستخدم في الأسمدة والمضافات الغذائية ومركبات التنظيف، وفي المبيدات الحشرية والألعاب النارية. وقديمًا كان يستخدم في صناعة أعواد الثقاب، غير أنّه تمّ ايقاف هذا الاستخدام نظرًا للآثار الجانبية الخطيرة التي يتسبّب بها.

أمّا على الصعيد العسكري، فهو يستخدم كعامل حارق وكباعث لساتر دخاني، وكمركب كيميائي مضاد للأفراد قادر على إحداث حروق شديدة. ويمكن استخدامه أيضًا في عمليات التمويه وإخفاء تحركات الجنود على أرض المعركة، لأنّه عند اطلاقه في الجو، يحدث سحابة كبيرة من الأبخرة البيضاء التي تحجب الرؤية، كما إنّ إلقاء هذه القنابل على الجنود مباشرة يسبّب بينهم الارباك والخوف وأضرارًا جسدية بالغة.

لقد استعمل هذا السلاح لأول مرة في القرن 19 من قبل من كانوا يعرفون بالوطنيين الأيرلنديين، وكان على شكل محلول عندما يتبخر يشتعل ويخلف حريقا ودخانا، ثم استعمله بعد ذلك في أستراليا عمال موسميون غاضبون.

في نهاية عام 1916 صنعت بريطانيا أولى القنابل الفوسفورية، وفي الحرب العالمية الثانية استخدمت القوات الأميركية وقوات دول الكومنولثالفوسفور الأبيض بكثافة، كما استعمله اليابانيون بنسب أقل.

قبل الحرب العالمية الثانية كان مصنعو القنابل الحارقة يستعملون فيها المغنيزيوم لإشعال خليطها، لكنهم أثناء الحرب وبعدها أصبحوا يستعملون فيها الفوسفور لسرعة اشتعاله وانفجاره بمجرد الاحتكاك مع الهواء.

هذا واستخدم سلاح الفوسفور الأبيض كوسيلة حرب خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وفي أثناء الحرب الكورية (1950-1953). أمّا خلال حرب فيتنام (1955-1975) لجأت القوات الأميركية إلى استخدام هذا السلاح بشكل مكثّف. وكذلك اتهم الجيش الروسي باستخدامه ضد المقاتلين الشيشان في منتصف التسعينيات من القرن الماضي.
وفي أثناء حرب الخليج الأولى وردت تقارير حول استخدام النظام العراقي السابق، بواسطة قوات علي حسن المجيد (علي الكيميائي)، الفوسفور الأبيض في مدينة الناصرية في شباط من العام 1994، وذلك بهدف إحراق منازل المدنيين. وفي الحرب البوسنية (1992-1995) اتُهمت القوات الصربية بإلقاء الفوسفور الأبيض على المدنيين في مدينة سراييفو.


غير أنّ القرن الحادي والعشرين شهد استخدامًا مكثفًا لهذا السلاح في الحروب والنزاعات.
وتحدثت تقارير إعلامية عن أن القوات الأميركية استخدمتها كذلك في هجومها على مدينة الفلوجة العراقية في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2004، وكشف عن هذه المعلومات شريط وثائقي عرضته قناة إيطالية أورد صورا لضحايا معركة الفلوجة وشهادات لجنود أميركيين تثبت استخدام القوات الأميركية هذا السلاح الحارق. وفي العام 2007 اتّهم مراقبو الأمم المتحدة أثيوبيا باستخدام الفوسفور الأبيض ضدّ المتمردين والمدنيين في الصومال.

وفي العام 2009، قامت قوات التحالف باستخدام الفوسفور الأبيض في أفغانستان. وبالمقابل اتهمت الولايات المتحدة الأميركية حركة طالبان بالاستخدام غير المشروع للفوسفور الأبيض. ومن جهة أخرى، ورد في بعض التقارير أنّه في العام 2011، قامت قوات التحالف بإلقاء الفوسفور الأبيض على عدّة مدن ليبية.

وفي العام 2014، اتّهمت روسيا، أوكرانيا باستخدام الفوسفور الأبيض في أثناء قصفها المناطق السكنية في سلافيانسك جنوب شرق البلاد، وهو ما نفته أوكرانيا. وفي العام 2017، اعترف التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية باستخدام الفوسفور الأبيض ضدّ تنظيم "داعش" الإرهابي في الموصل (العراق) والرقة (سوريا). ومن جانب القوات الإسرائيلية في أثناء عدوانها على لبنان عام 2006، وعلى فلسطين أعوام 2009، 2012، و2014.

a7fb1946eb311d14a55485e1f4a31527.jpg



الخاتمة

قد يتساءل أي منّا عن السبب في عدم حظر استخدام سلاح الفوسفور الأبيض حتى الآن، مع الإشارة إلى أنّ عملية الحظر، من الناحية القانونية، ليست معقّدة، إذ توجد عدّة طرق لذلك:

الطريقة الأولى: تعديل بروتوكول الأسلحة الحارقة للعام 1980، أو إضافة بروتوكول جديد على اتفاقية الأسلحة التقليدية للعام 1980، يحظر استخدام سلاح الفوسفور الأبيض، وذلك استنادًا إلى المادة (8) من اتفاقية الأسلحة التقليدية للعام 1980، التي أجازت لأي طرف أن يقترح تعديلات على هذه الاتفاقية، أو أي بروتوكول مرفق بها يكون ملزمًا به، كما سمحت باقتراح بروتوكولات إضافية تتّصل بأنواع أخرى من الأسلحة التقليدية التي لم تشملها البروتوكولات المرفقة. وفيما خصّ تعديل بروتوكول الأسلحة الحارقة، فيكون ذلك عبر تعديل تعريف الأسلحة الحارقة الوارد فيه، بحيث يعتمد على خصائص السلاح لا على الهدف من استخدامه. إلّا أنّ المشكلة التي يمكن أن تُثار عبر آلية التعديل هذه هي أن عقد مؤتمر الدول الأطراف للنظر في اقتراح التعديل أو إضافة بروتوكول جديد يتطلب موافقة أغلبية الدول. وقد تضطلع الولايات المتحدة الأميركية بدور كبير في منع إجراء التعديل، أو إضافة بروتوكولات جديدة، وهناك عددٌ من الوقائع التي تدل على ذلك، فمثلًا في أثناء المفاوضات لإبرام اتفاقية الأسلحة التقليدية والبروتوكولات الملحقة بها، انتهجت الولايات المتحدة الأميركية سياسة التباطؤ والتلكؤ فيما يخص المفاوضات التي تجريها سواء أكانت ثنائية أم متعددة الأطراف، ما عدا تلك التي تحقّق مصلحة الأمن القومي الأميركي، وبعيدًا عن التقيّد بأحكام القانون الدولي الإنساني، وهذا ما يفسّر استغراق المفاوضات لإبرام اتفاقية الأسلحة التقليدية ردحًا طويلًا من الزمن، وأيضًا ما يفسّر إخفاق إجماع الدول الأطراف في أثناء المؤتمر الاستعراضي الثالث لاتفاقية الأسلحة التقليدية المنعقد عام 2006، من التوصّل لإبرام بروتوكول إضافي بشأن حظر الذخائر العنقودية.


الطريقة الثانية: إبرام اتفاقية دولية تحظر صراحة استخدام سلاح الفوسفور الأبيض، ويمكن أن يتحقق ذلك عبر اتباع مسار تفاوضي كاتفاقية أوتاوا وأوسلو التفاوضيين.









lebarmy.gov.lb
aljazeera 1
aljazeera 2




تقرير مطول و ممتاز و فيه معلومات قيمة أخي عمر المختار و يستحق سبعة نجوم

⭐⭐⭐⭐⭐⭐⭐
 

BIG BOSS V

التحالف يجمعنا
طاقم الإدارة
مشرف
إنضم
1/4/19
المشاركات
7,134
التفاعلات
27,679
قام الجيش التونسي بإستخدامه لقصف الإرهابيين المتحصنين في جبال القصرين
مشاهدة المرفق 80216مشاهدة المرفق 80217مشاهدة المرفق 80218

في رأي الشخصي
لا يجب إستعماله حتى ضد الإرهابيين لأنك تستعمله على أرضك و لا تعلم حجم الأذى الذي سوف يُخلفه هذا الإستعمال على المنطقة
 
أعلى