تحالف 24 أزمة العلاقات الباكستانية-السعودية: من الاعتماد الكلي إلى التوافق التعاقدي

وشق الشام

التحالف يجمعنا
عضو مميز
إنضم
3/2/21
المشاركات
2,262
التفاعلات
7,155
1617710025288.png



كانت العلاقات الأخوية بين المملكة العربية السعودية ودولة باكستان من أكثر المحاور التي دار حولها حديث ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، أثناء زيارته إلى باكستان في أوائل عام 2019، حيث عبَّر عن ذلك بقوله: "اعتبروني سفير باكستان لدى المملكة العربية السعودية"(1). ومع ذلك، فإن هذا التصريح، لولي العهد السعودي، انقلب، بتاريخ 5 أغسطس/آب 2020، إلى ضغط مُمارس عليه.

فقد استنكر وزير خارجية باكستان، شاه محمود قرشي، في حوار تليفزيوني أُجري معه في هذا التاريخ، ما اعتبره ردًّا باهتًا وضعيفًا من منظمة التعاون الإسلامي على الانتهاكات التي ارتكبتها الهند في الجزء من كشمير الخاضع لسيطرتها، حيث كانت جمهورية الهند قد ألغت، قبل عام واحد من تاريخ إجراء المقابلة المُشار إليها أعلاه مع قرشي، المادتين 370 و35 (أ) من دستورها، مُلغيةً، بالتالي، الاستقلال الذاتي لإقليم كشمير (الخاضع للسيطرة الهندية). وخلال ذات المقابلة، أضاف السيد قريشي أنه في حال فشلت منظمة المؤتمر الإسلامي في "عقد اجتماع لمجلس وزراء الخارجية"(2) في وقت قريب، فإن باكستان ستكون مستعدة للتوجه نحو البلدان التي ترغب في الوقوف معها، دون تردد، لوقف معاناة الشعب الكشميري.

تجدر الإشارة هنا إلى قمة كوالالمبور المصغرة، المنعقدة في 19 ديسمبر/كانون الأول 2019، والتي شاركت فيها كل من ماليزيا وتركيا وإيران، وكانت بهدف إيجاد حلول ناجعة للواقع المُربك الذي يواجهه المسلمون اليوم، غير أن القمة اعتبرتها السعودية إهانة وتحديًا مباشرًا لمنظمة المؤتمر الإسلامي. ثم كان أن اضطُرَّت باكستان، تحت وطأة الضغوط السعودية، إلى إلغاء تمثيلها في الاجتماع في آخر لحظة(3).

ورغم أنّ الهدف من تصريحات السيد قرشي، كان دقّ جرس إنذار تحذيري، لكنّها ارتدّت على باكستان بشكل قاسٍ، وترتّب عنها تداعيات غير مرغوب فيها بالنسبة لإسلام آباد. كان من التداعيات الفورية مطالبة المملكة العربية السعودية باستعادة مليار دولار، من قروض بلغت قيمتها الإجمالية 3 مليارات دولار، كانت قدمتها إلى باكستان عام 2018(4). ثم تلا ذلك امتناع الرياض، منذ شهر مايو/أيار الماضي، عن تجديد تسهيلات ائتمان نفطي بلغت قيمتها 3.2 مليار دولار (وهي بدورها جزء من الصفقة المبرمة بين البلدين عام 2018)(5).

لم تقف التداعيات عند القضايا الاقتصادية والمالية فحسب، بل لقد بلغ تدهور الوضع حدًّا شهد انتشار شائعات تروج إلى قُرب تعيين رئيس أركان الجيش الباكستاني السابق، الجنرال رحيل شريف، في منصب رئيس الوزراء بدلًا عن عمران خان، وذلك جرَّاء ممارسة دول الخليج ضغوطًا قوية على إسلام أباد(6). ومع ذلك، فإن امتناع وزارة الخارجية الباكستانية عن إصدار أي بيان تنقض فيه تصريحات وزير الخارجية قُرئ على أنه دليل على الدعم الكامل الذي حظيت به ملاحظات السيد قرشي من حكومة إسلام أباد.

في 17 من شهر أغسطس/آب الماضي، قام اللواء قمر باجوا، رئيس أركان الجيش الباكستاني، بزيارة إلى الرياض زُعم أنها كانت روتينية وتتعلق بالعلاقات العسكرية وتبادل التدريب(7). لكن، وعلى عكس ذلك، فثمة اعتقاد بأن الغرض الرئيسي من زيارة اللواء باجوا إلى الرياض كان محاولة لتجاوز ما شهدته العلاقات بين البلدين من عثرات في الفترة الأخيرة.

وبالتزامن مع ذلك، نفى رئيس الوزراء، عمران خان، بدوره ما وصفها بالشائعات حول وجود خلافات بين إسلام أباد والرياض(8). من جانبه، أكد السيد قرشي، خلال اجتماعه مع السفير السعودي لدى باكستان، في 31 أغسطس/آب، على ما جاء في تصريحات خان السابقة؛ حيث قال: إن "باكستان تقف جنبًا إلى جنب المملكة"(9). ولم يمر سوى يومين على ذلك، حتى صدر تأكيد عن الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي بالتزام منظمته تجاه شعب كشمير(10). كما بات من المتوقع أن يزور وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان آل سعود، ووزير الطاقة، عبد العزيز بن سلمان، باكستان في المنظور القريب(11).

وهكذا، يبدو أن الجانبين قد تمكَّنا من تجنب حالة انهيار كامل في علاقاتهما، على الأقل في الوقت الحالي.

العلاقات الباكستانية-السعودية: لمحة مختصرة

على مرِّ عقود من الزمن، وطدت باكستان والمملكة العربية السعودية علاقات وثيقة بينهما، وعلى الرغم من استناد تلك العلاقات على البُعد الديني في البداية، إلا أنها لم تلبث أن ارتقت، تدريجيًّا، إلى المستويين الاستراتيجي والاقتصادي أيضًا. وخلال عقود من العلاقات الهادئة، عملت القيادة السياسية في باكستان كذلك على تنمية روابط وثيقة مع أفراد العائلة المالكة السعودية؛ فكان أن تطورت اتفاقية الدفاع بين البلدين، المبرمة بينهما عام 1982، لتبلغ مستوى جعل إسلام أباد تبيع معدات عسكرية إلى المملكة العربية السعودية، ثم ارتقت إلى التدريب ولعب أدوار استشارية أيضًا. ففي عام 2018، أُبلغت الجمعية الوطنية الباكستانية بأنه قد تم نشر ما يصل إلى 1671 من رجال القوات المسلحة الباكستانية داخل أراضي المملكة العربية السعودية(12). وللتعبير عن تلك العلاقات الوطيدة، فقد وصف رئيس المخابرات السعودية السابق، الأمير تركي بن فيصل، العلاقات بين بلاده وباكستان بأنها "ربما تكون إحدى أوثق العلاقات في العالم بين أي بلدين دون وجود أي معاهدة رسمية بينهما"(13).

أما في المجال الاقتصادي، فقد كان تدفق أعداد كبيرة من العمال الباكستانيين على المملكة، لتلبية احتياجاتها المتزايدة من العمالة خلال السبعينات من القرن الماضي، يمثل إيذانًا بإرساء علاقات تجارية غير مسبوقة بين البلدين. وقد دفعت تلك العلاقات المملكة العربية السعودية إلى تقديم دعم سخي إلى باكستان في أكثر من مرة؛ ففي أعقاب التجارب النووية التي أجرتها باكستان، عام 1998، وما تبعها من فرض عقوبات دولية عليها، سارعت المملكة العربية السعودية إلى دعم حليفها الباكستاني ومساعدته على مواجهة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه عبر تقديم 50 ألف برميل من النفط المجاني يوميًّا إلى إسلام أباد، واستمرت تدفقات إمدادات النفط السعودي إلى باكستان على ذلك النحو لمدة عام كامل.

من الأمثلة الأحدث على ذلك السخاء السعودي المقدم إلى باكستان، نذكر تقديم الرياض منحة إلى إسلام أباد عام 2018، كانت على شكل هِبات وودائع، بلغت قيمتها 6 مليارات دولار، بهدف مساعدة باكستان في التخفيف من ديونها المتراكمة(14)، بالإضافة إلى توقيع الجانبين على مذكرات تفاهم بينهما، عام 2019، ضخَّت الرياض بموجبها مبلغ 20 مليار دولار في خزينة الدولة الباكستانية على شكل استثمارات متنوعة(15)، وكان ذلك بهدف مساندة باكستان في سعيها لتجنب انهيار اقتصادي كامل بدا وشيكًا.

العوامل المحفزة على الصراع

من المتعارف عليه أن تسبق فترة كل تفكك في العلاقات بين البلدان جملة من تراكم الاستياء تكون محفزًا على صراع قادم محتمل. في العام 2015، وبسبب ضغوط داخلية، رفضت باكستان إرسال قواتها للمشاركة في حرب اليمن، وقد كانت النتيجة أن شنَّ السعوديون والإماراتيون حملات انتقامية قاسية ضد باكستان. غير أنه، ومع العام التالي، تم تعيين الجنرال، رحيل شريف، قائدًا عامًّا للتحالف العسكري الإسلامي، وهي الخطوة التي تسببت في الكثير من الجدال، وفُسرت على أنها اتُّخذت من أجل استرضاء دول الخليج.

ثم في أعقاب الأزمة القطرية-الخليجية في يونيو/حزيران 2017، وعلى الرغم من الضغوط الممارسة عليها، لم تُساوم باكستان في علاقتها مع قطر. ففي سبتمبر/أيلول من عام 2017، أطلقت مجموعة بحرية، مقرها قطر، خدمة تسيير سفن/حاويات سريعة بين ميناء قاسم (في باكستان) وميناء حمد (في قطر)(16). أما الشوكة الأخرى التي زادت من توتير العلاقات بين الرياض وإسلام وأباد فتمثلت في حالة التعاون المتزايدة بين باكستان وتركيا؛ حيث شهد التعاون البحري بين البلدين زخمًا متزايدًا، وأبدى الرئيس التركي، أردوغان، حرصه على مشاركة بلاده في مشاريع إقامة الممر الاقتصادي الصيني. وبالإضافة إلى ذلك، فقد أدانت تركيا، بلا هوادة، الأعمال العسكرية الهندية في كشمير؛ الأمر الذي أدى إلى ازدياد مشاعر الرضا العارمة تجاه تركيا من قبل الباكستانيين.

بالنسبة لباكستان، كان تزايد التوافق السعودي-الهندي يشكِّل مصدر قلق كبير لها؛ ففي العام 2016، كُرِّم رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، بتقليده وسام الملك عبد العزيز، وهو أعلى مرتبة تشريف مدني في السعودية. وفي فبراير/شباط من العام 2019، وقَّع ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مباشرة بعد زيارته إلى باكستان، مذكرات تفاهم في الهند بقيمة بلغت 100 مليار دولار من الاستثمارات المتنوعة، مما دلَّ على حجم العلاقات التي تربط الرياض بنيودلهي(17). وفي شهر مارس/آذار من العام نفسه، دُعيت وزيرة الشؤون الخارجية الهندية في ذلك الوقت، سوشما سواراج، لحضور اجتماع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، بالرغم من معارضة إسلام أباد لتلك الدعوة. يُضاف إلى كل ذلك، تلك العلاقة القوية التي تربط بين الهند وإسرائيل والقائمة على تبادل المعلومات الاستخباراتية والأمن السيبراني، ومؤخرًا بناء علاقات تجارية بين البلدين. وفي الواقع، فإن الهند تتبع نفس الأسلوب الإسرائيلي في تنفيذ عملياتها داخل كشمير.

ونظرًا لتنامي الود الخليجي الرسمي تجاه إسرائيل، وما أعقبه من تزايد تأثير التدخل الأميركي/الإسرائيلي في شؤون الخليج؛ حيث بات لهما الكلمة العليا في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون الخليجي، فإن السعوديين لا يستطيعون انتقاد الهند علنًا حتى لو كان ذلك يعني تجاهل باكستان. ولهذا السبب، فقد بات هذا التوجه السعودي يمثل نقطة ضعف في العلاقات الباكستانية-السعودية.

والسؤال الطبيعي الذي يُطرح في هذا السياق هو: ما الذي يمنع حدوث قطيعة تامة بين إسلام أباد والرياض، على الرغم من تزايد منسوب الحدة بين البلدين؟

حاجة باكستان للسعودية

أولًا: يبدو أن الأمر الأكثر أهمية في هذا السياق هو اعتماد باكستان الكبير على التحويلات المالية القادمة إليها من المملكة العربية السعودية، والتي تعادل نسبتها ما يقرب من 86% من احتياطيات النقد الأجنبي لباكستان(18). وتُقدَّر نسبة التدفقات المالية، القادمة إلى باكستان من طرف العمالة المقيمة في السعودية، بما يقرب من 30% من نسبة مجموع التحويلات القادمة من المملكة العربية السعودية. قبل انتشار جائحة فيروس "كوفيد 19" المستجد، بلغت أعداد العمال الباكستانيين المقيمين في المملكة العربية السعودية أكثر من 2.5 مليون عامل. كما كان 60 ألف باكستاني يستعدون لدخول أراضي المملكة قبل إنفاذ تدابير الإغلاق(19).

أما ثانيًا، فإن باكستان تستورد ما يقرب من 25% من احتياجاتها النفطية من المملكة العربية السعودية. كما كان توفير النفط المدعوم يمثل أمرًا حيويًّا بالنسبة للاقتصاد الباكستاني على مرِّ السنين. وتشير الأرقام الرسمية الموثقة، عام 2019، إلى أنه من أصل 1.7 مليار دولار، من حجم التجارة البينية بين باكستان والمملكة العربية السعودية، فإن نسبة 74% منها تتمثل في الواردات النفطية(20).

بالإضافة إلى ما تقدم، فإنه لا يمكن إنكار حقيقة تقديم المملكة العربية السعودية مساعدات لباكستان مرارًا وتكرارًا، وكانت تلك المساعدات إما في شكل هبات مالية أو قروض حسنة من دون أرباح تجارية. وتتنوع الأمثلة من تلك المساعدات التي شملت، على سبيل المثال، تقديم 10 ملايين دولار في شكل معونة إنسانية خلال زلزال بلوشستان عام 2005، ومنح مبلغ 170 مليون دولار لتمويل عمليات الإغاثة وإعادة التأهيل عقب فيضانات 2010 و2011 التي اجتاحت باكستان(21). لذلك، فإن باكستان لا يمكنها تجاهل حقيقة أن المملكة العربية السعودية كانت دائمًا هناك لتقديم الدعم لها في أوقات الأزمات.

تحظى المملكة العربية السعودية، من بين كل البلدان الإسلامية الأخرى، بالقدر الأكبر من احترام وتبجيل المسلمين في كل أصقاع العالم نظرًا لكونها موطن الحرمين الشريفين: مكة المكرمة والمدينة المنورة. ففي العام 2019، أدى ما يقرب من نصف مليون معتمر باكستاني مناسك العمرة -وهو أعلى عدد مسجل للمعتمرين القادمين إلى المملكة من أي بلد آخر(22). هذا ناهيك عن أنه، باستثناء ما فرضته جائحة كورونا هذا العام من تدابير أغلاق، فإن عدد الباكستانيين الذين يؤدون فريضة الحج سنويًّا يقارب 200 ألف حاج.

وأخيرًا، وعلى الرغم من طبيعته الرمزية، في أغلب الأحيان، غير أنه لا يمكن إنكار أن دعم المملكة العربية السعودية في مناسبات عديدة لمسلمي كشمير، قد ساعد على إبقاء القضية الكشميرية نابضة حتى داخل أروقة منظمة المؤتمر الإسلامي، في حين أنها لم تحظ بالاهتمام في عديد المحافل الأخرى.

حاجة السعودية لباكستان

أولًا: تعتبر دولة باكستان أساسية بالنسبة للمملكة العربية السعودية، وذلك بسبب وجود عدد من قواتها ومستشاريها الأمنيين داخل أراضيها بموجب اتفاقية الدفاع المبرمة بين البلدين عام 1982. هذا بالإضافة إلى أن سعي المملكة العربية السعودية إلى تطوير منشآتها النووية، في الفترة الحالية، يعد أمرًا بالغ الأهمية تحتاج خلاله إلى دعم باكستان. وفي اللحظة الراهنة، فإنه بإمكان كفاءة باكستان النووية أن تضمن للمملكة الردع ضد أعدائها.

ثانيًا: لابد من الإشارة إلى حقيقة أن الاقتصاد السعودي يمر حاليًّا بمرحلة تزايدت فيها الضغوط بسبب انخفاض أسعار النفط، وتحمله تكلفة الحرب المستمرة في اليمن، ناهيك عن تداعيات وآثار جائحة "كوفيد 19"(23). كما أن العائدات المتأتية من موسم الحج، والتي تشكِّل 20% من عائدات المملكة غير النفطية قد تلقت ضربة موجعة هذا العام؛ حيث خُفضت أعداد الحجاج من 2.5 مليون حاج إلى حوالي 1000 حاج فقط. هذا، بالإضافة إلى أن المملكة تحتاج الآن، وأكثر من أي وقت مضى، إلى التخلي التدريجي عن الاعتماد على عائدات النفط، وفقًا لرؤية 2030 التي يقودها ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان. وفي هذا الصدد، فإن دور باكستان يمكن أن يكون حاسمًا، لأنها توفر للمملكة أيدي عاملة فعالة من حيث الكفاءة والتكلفة، وهي أيضًا سوق دولية مهمة للنفط السعودي، وتوفر باكستان أيضًا سوقًا تكثر فيه فرص الاستثمار الأجنبي في مشروع الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني.

ثالثًا: لا تستطيع الرياض كسر علاقاتها مع إسلام أباد بسبب الجارة إيران، التي تمثل كابوسًا مرعبًا بالنسبة للمملكة. وقد تم التأكيد على هذه الزاوية في علاقات البلدين، في الآونة الأخيرة، في ضوء المحادثات حول صفقة "تشابهار" المحتملة بين الصين وإيران، والبالغ قيمتها 400 مليار دولار. وفي حال تنفيذ الصفقة فإنها ستضمن إدراج إيران رسميًّا في النسيج الإقليمي لمبادرة الحزام والطريق الصينية(24). وبذلك، فإن الفوائد الاقتصادية المنتظر جنيها من طرف إيران ستكون أمرًا لا يمكن للمملكة العربية السعودية تحمله.

عطفًا على النقطة السابقة، فإنه من المهم تسليط الضوء على اعتماد المملكة على ما يمثله امتدادها الأيديولوجي خارج خارطة العالم العربي. ففي وقت مبكر، جاءت الثورة الإسلامية في إيران والغزو السوفيتي لأفغانستان، ليبشِّرا بتنامي النفوذ السعودي في الأوساط الدينية الباكستانية. وفي إطار سعي المملكة إلى مواجهة النفوذ الإيراني، فقد موَّلت المدارس الدينية المناهضة للشيعة في باكستان -والتي تم إلقاء الأضواء على طبيعتها الواسعة في البرقيات المسربة على موقع ويكيليكس(25)-. كما أن في المسيرات الجماهيرية المناهضة للشيعة، التي خرجت في مدينة كراتشي في سبتمبر/أيلول 2020، دليلًا يؤكد على عمق النفوذ السعودي داخل البلاد(26).

أما رابعًا، فقد فرض التقارب الأخير بين عدد من الدول العربية وإسرائيل ضغوطًا إضافية على القادة السعوديين من أجل حملهم على اتباع أنماط تطبيعية مماثلة (بالرغم من وجود علاقات سرية قائمة أصلًا بين السعوديين والإسرائيليين)؛ وهو أمر لا تستطيع الرياض تحمله لأن نظام المعتقدات بأكمله في المملكة يقوم على كونها زعيمة الأمة الإسلامية، وبالتالي، فهي مطالبة بالدفاع عن الفلسطينيين ورفض ما يُرتكب في حقهم من فظائع من قبل الإسرائيليين. هذا فضلًا عن الصدع الذي طال علاقات المملكة العربية السعودية مع غالبية الدول الإسلامية. ومن ثم، فإنه لا يمكن للرياض دفع باكستان بعيدًا عنها، في هذه المرحلة، دون أن يزيد ذلك من عزلة المملكة التامة.

المضي إلى الأمام

تقتضي الواقعية أن إحداث القطيعة التامة في العلاقات بين الدول، في ظل نظام العولمة الذي يعيشه عالمنا اليوم، أمر لا يدخل في نطاق الاحتمالات الراجحة. لذلك، فإن أقصى ما يمكن تحقيقه هو خفض مستوى الروابط بشكل واسع. وفي اللحظة الراهنة، لا يستطيع الجانبان، الباكستاني والسعودي، تحمل أي شكل من أشكال الانفصال الفوري في المنظورين، القريب والمتوسط. ومن ثم، فعلى الأرجح أنهما سيلتزمان بقواعد الحذر واللجوء إلى الحلول التوفيقية.

أما على المدى الطويل، فمن المرجح أن يطرأ تحول في العلاقات الباكستانية-السعودية لتصبح أكثر توجهًا نحو الاقتصاد. وقد سبق أن أشار المحللون إلى وجود احتمال قوي بأن تحل مصر محل باكستان باعتبارها الكفيل الرئيس للمملكة العربية السعودية للأمن على الصعيدين، الداخلي والإقليمي. وتتعزز هذه الاحتمالية إذا ما علمنا بأن القيادة في باكستان لم تستثمر في إقامة علاقات شخصية مع الجيل الجديد من حكام السعودية. في المقابل، كانت الهند تُمارس بسط قوتها الناعمة، طيلة هذه المدة، من أجل حثِّ السعوديين على النظر إلى الهند نظرةً أكثر إيجابية وتفضيلًا، وذلك في تجاهل تام للانتهاكات التي تمارس في الهند ضد المسلمين.

بالتزامن مع كل ذلك، فإن إعراض الرياض المستمر عن باكستان، أو تهديدها بعواقب وخيمة على إثر كل خلاف، سيدفع إسلام أباد، إن عاجلًا أم آجلًا، إلى التوجه نحو التقارب مع بلدان أخرى، قد لا تكون بنفس ثقل المملكة اقتصاديًّا، غير أنها سوف تتعامل مع باكستان على أسس تكون أكثر إنصافًا واحترامًا مما تلقاه إسلام أباد من الرياض.

باختصار، فعلى الرغم من أن المضي إلى الأمام، في العلاقات بين باكستان والمملكة العربية السعودية، يبدو أنه الخيار الوحيد المتاح أمام كلا الجانبين في الوقت الحاضر، فإنه لا شك في أن سياسة الاعتماد الكلى، الذي ساد العلاقات الثنائية بين البلدين في المرحلة السابقة، قد استُبدل به اليوم ما يمكن تسميته بالتوافق التعاقدي.

المصدر
 

الولبي

ملازم اول
إنضم
13/12/20
المشاركات
145
التفاعلات
384
السعودية وقفت مع باكستان اقتصادياً وسياسياً وباكستان استفادت من السعودية الكثير
ولم تقدم أي رد للجميل

وقفات ليست بسيطة

يا الله جت علي باكستان

بس التقرير من الجزيرة لا يصدق حتي ولو كان فيه صدق
 

تركي

ملازم
إنضم
4/1/20
المشاركات
99
التفاعلات
484
لانهاء الصداع الايراني يجب تشكيل
تحالف سني بين السعوديه ومصر وتركيا وباكستان
والقفز على الخلافات وتقديم المصلحه العليا
على اي مصلحه اخرى
تشكيل هذا التحالف سيكون بمثابة تحول استراتيجي للعالم الاسلامي وستكون جبهه
قويه اقتصاديا وسياسيا وعسكريا لمواجه الغرب واذنابه

واعتقد انه ليس مستحيلا ان يتم ذلك
 

عــمــر الـمـخــتــار

طاقم الإدارة
مشرف عام
إنضم
14/5/19
المشاركات
3,576
التفاعلات
19,647
صحيفة الفاينانشيال تايمز:

الرياض توافق على استئناف المساعدات النفطية المقدمة لباكستان بقيمة ١.٥ مليار دولار اعتباراً من يوليو في محاولة لمواجهة النفوذ الايراني في المنطقة


Financial Times





 

EAQ

عميد
إنضم
28/5/21
المشاركات
374
التفاعلات
1,086
صحيفة الفاينانشيال تايمز:

الرياض توافق على استئناف المساعدات النفطية المقدمة لباكستان بقيمة ١.٥ مليار دولار اعتباراً من يوليو في محاولة لمواجهة النفوذ الايراني في المنطقة


Financial Times

عظمى ولا يستطيعون حماية أنفسهم من إيران؟ عجيب!.
 
أعلى